اقتصاد

استثمارات المغرب تجذب الشركات التركية مع اقتراب مونديال 2030

17:05 · 12/10/2026

منال الهداوي

تستقطب استثمارات المغرب المتنامية اهتمام الشركات التركية التي تسعى إلى توسيع حضورها داخل السوق الوطنية والاستفادة من الفرص الاقتصادية التي تتيحها المشاريع الكبرى المرتبطة بالاستعداد لاستضافة كأس العالم 2030. ومع تسارع وتيرة الأوراش المتعلقة بالملاعب والنقل والبنية التحتية والإقامة، تتجه أنظار فاعلين اقتصاديين أتراك نحو المملكة باعتبارها سوقا واعدة تتيح إمكانات مهمة للنمو وتعزيز المبادلات التجارية بين البلدين.

ويأتي هذا الاهتمام في سياق التحولات التي يشهدها الاقتصاد المغربي، حيث تساهم الاستثمارات الموجهة إلى تطوير التجهيزات الأساسية وتحسين شبكات النقل وتهيئة المنشآت الرياضية والسياحية في خلق احتياجات متزايدة إلى مواد البناء والمعادن والأحجار الطبيعية. وتدفع هذه الدينامية الشركات الأجنبية إلى البحث عن فرص جديدة للمشاركة في المشاريع الجارية والمستقبلية، خصوصا في القطاعات المرتبطة بالأشغال الكبرى والتجهيز والتوريد.

وتراهن الشركات التركية، على وجه الخصوص، على الاستفادة من هذه المشاريع لتعزيز صادراتها إلى المغرب وتوسيع علاقاتها مع الفاعلين الاقتصاديين المحليين. وفي هذا الإطار، يرتقب أن تصل إلى المملكة خلال شهر نونبر المقبل بعثتان تجاريتان منفصلتان، بمشاركة شركات تنشط في مجالات الحديد والفلزات والمعادن والأحجار الطبيعية، بهدف استكشاف فرص التعاون والبحث عن منافذ إضافية لتسويق المنتجات التركية.

وتعكس هذه الخطوة رغبة القطاع الخاص التركي في الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدما من العلاقات التجارية مع المغرب، من خلال تكثيف الاتصالات المباشرة مع الفاعلين المحليين والتعرف على حاجيات السوق والفرص المتاحة في مختلف المشاريع الاستثمارية. كما تتيح الزيارات المرتقبة للشركات المشاركة إمكانية بناء علاقات مهنية جديدة وتطوير شراكات يمكن أن تمتد إلى مجالات أخرى خلال السنوات المقبلة.

إقرأ أيضا : استثمارات-مغرب-فرنسا

وتبرز الأرقام التجارية حجم هذا التوجه، إذ ارتفعت الصادرات التركية نحو المغرب خلال السنة الماضية بنحو 27 في المائة، لتبلغ قرابة 3.9 مليارات دولار. ويعكس هذا التطور تنامي المبادلات الاقتصادية بين البلدين، كما يشير إلى استمرار اهتمام المصدرين الأتراك بالسوق المغربية باعتبارها وجهة قادرة على استيعاب منتجات متنوعة، في ظل احتياجات متزايدة مرتبطة بالاستثمار والاستهلاك وتطوير البنية التحتية.

ولا يقتصر الرهان التركي على الزيادة الإجمالية في الصادرات، بل يمتد إلى قطاعات محددة ترى الشركات العاملة فيها أن المغرب يوفر فرصا مهمة لتوسيع نشاطها. ويأتي الحديد والفلزات والأحجار الطبيعية ضمن المجالات التي تحظى باهتمام خاص، بالنظر إلى ارتباطها بأعمال البناء والتجهيز والتهيئة، وهي أنشطة تكتسب أهمية إضافية مع تنفيذ المشاريع المرتبطة بالاستعداد للمواعيد الرياضية الكبرى.

وفي هذا السياق، يبرز الموقع الجغرافي للمغرب عاملا مهما في حسابات المستثمرين والمصدرين الأتراك. فالمملكة لا تمثل بالنسبة إليهم سوقا استهلاكية فحسب، بل تشكل أيضا بوابة محتملة نحو أسواق غرب إفريقيا، بفضل موقعها الجغرافي وصلاتها التجارية والاقتصادية مع عدد من بلدان المنطقة. ويمنح هذا الامتداد الإقليمي الشركات الراغبة في التوسع فرصة دراسة السوق المغربية باعتبارها نقطة انطلاق لتطوير أنشطتها خارج حدود المملكة.

ويعزز هذا التصور توجه الشركات التركية إلى تنظيم لقاءات مهنية مع شركاء محتملين في المغرب. ومن المرتقب أن تضم إحدى البعثتين عشر شركات، فيما ستشارك في البعثة الأخرى 14 شركة مصدرة، في خطوة تستهدف توسيع شبكة العلاقات التجارية والوقوف على متطلبات السوق المحلية. كما ينتظر أن تتيح هذه اللقاءات تبادل المعلومات بشأن فرص التوريد والتوزيع وإمكانيات تطوير التعاون بين المقاولات في البلدين.

وتكتسي هذه التحركات أهمية خاصة بالنسبة إلى قطاع المعادن والأحجار الطبيعية، الذي يسعى المصدرون الأتراك إلى رفع حجم مبيعاته في السوق المغربية. وتشير المعطيات المعلنة إلى أن قيمة صادرات تركيا من المعادن والأحجار الطبيعية إلى المغرب بلغت نحو 43.5 ملايين دولار، من إجمالي واردات مغربية في هذا المجال تصل إلى حوالي 204 ملايين دولار.

واستنادا إلى هذه الأرقام، يطمح المصدرون الأتراك إلى رفع صادراتهم من هذه المنتجات إلى 100 مليون دولار، أي أكثر من ضعف المستوى المسجل حاليا. ويعكس هذا الهدف رغبة واضحة في توسيع الحصة التركية داخل السوق المغربية، من خلال استثمار الفرص التي توفرها المشاريع العقارية ومشاريع التهيئة والتجهيز، إلى جانب تنويع العلاقات مع المستوردين والموزعين المحليين.

غير أن تحقيق هذه الطموحات سيظل مرتبطا بقدرة الشركات التركية على الاستجابة لمتطلبات السوق المغربية من حيث الأسعار والجودة وشروط التوريد والالتزامات التجارية. كما أن المنافسة مع الموردين من بلدان أخرى تجعل من الضروري تطوير عروض قادرة على تلبية احتياجات المقاولات المغربية، والاستفادة من اللقاءات المهنية لبناء علاقات مستدامة تتجاوز الصفقات الظرفية.

ومن جهة أخرى، تمنح الاستعدادات لاستضافة كأس العالم 2030 للمغرب فرصة لتعزيز موقعه ضمن خريطة الاستثمارات الدولية، بالنظر إلى حجم المشاريع المرتقبة وما يمكن أن تتيحه من فرص للمقاولات الوطنية والأجنبية. ولا ترتبط أهمية هذه الأوراش بالموعد الرياضي وحده، بل تمتد إلى إمكانية تحسين البنية التحتية وتطوير الخدمات ورفع جاذبية المملكة أمام المستثمرين، بما قد ينعكس على المبادلات التجارية خلال السنوات المقبلة.

وتكشف التحركات التركية المرتقبة عن اهتمام متزايد بالاستفادة من هذه الدينامية، خصوصا في القطاعات المرتبطة بالمعادن ومواد البناء. وبين ارتفاع الصادرات التركية وتوسع المشاريع المغربية، تتجه العلاقات الاقتصادية بين البلدين نحو اختبار فرص جديدة للتعاون، فيما ستحدد نتائج البعثات التجارية المقبلة مدى قدرة الشركات المشاركة على تحويل هذا الاهتمام إلى عقود وشراكات فعلية داخل السوق المغربية.