الذكاء الاصطناعي

تسونامي بطيء يهدد ملايين الوظائف وصندوق النقد الدولي يحذر من انقلاب اقتصادي بسبب الذكاء الاصطناعي

07:39 · 13/10/2026

كوثر بوجوال

حذرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، من تحولات عميقة قد يشهدها سوق العمل العالمي بفعل التوسع المتسارع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، معتبرة أن تأثير هذه التكنولوجيا يتقدم بصورة تدريجية، لكنه يحمل تداعيات واسعة على فرص التشغيل وأنظمة الضرائب والاقتصادات الوطنية.

وأعادت تصريحات غورغييفا ملف الذكاء الاصطناعي والوظائف إلى صدارة النقاش الاقتصادي الدولي، بعدما وصفت التحول الجاري بأنه «تسونامي بطيء الحركة»، في إشارة إلى التغيرات المتراكمة التي قد تعيد تشكيل طبيعة العمل ومصادر الدخل خلال السنوات المقبلة.

وجاء هذا التحذير خلال مشاركتها في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، المنعقدة في العاصمة التايلاندية بانكوك، حيث دعت الحكومات وصناع القرار إلى الاستعداد المبكر لتداعيات التحول التكنولوجي، بدلاً من انتظار اتساع آثاره على العمال والشركات.

وأكدت المسؤولة الدولية أن التحديات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تتجاوز احتمال فقدان بعض الوظائف، لتشمل أيضاً تغير هيكل الاقتصاد والموارد التي تعتمد عليها الحكومات في تمويل الخدمات العمومية.

الذكاء الاصطناعي والوظائف أمام تحول يهدد سوق العمل

أوضحت كريستالينا غورغييفا أن أنظمة الذكاء الاصطناعي بدأت تتولى عدداً متزايداً من المهام التي كان ينجزها البشر، خصوصاً الأعمال الروتينية والمتكررة التي يمكن تنفيذها آلياً.

ويشمل هذا التحول مجموعة من الأنشطة الإدارية والخدماتية التي تعتمد على معالجة المعلومات وإعداد الوثائق وتنظيم البيانات، وهي مجالات أصبحت التقنيات الحديثة قادرة على أداء جزء من مهامها بسرعة متزايدة.

ومن شأن انتشار هذه الأدوات أن يدفع المؤسسات إلى إعادة النظر في احتياجاتها من اليد العاملة، مع ارتفاع قدرتها على إنجاز بعض الأعمال باستخدام عدد أقل من الموظفين.

غير أن تأثير التكنولوجيا لا يتوزع بالتساوي بين المهن والقطاعات، إذ تختلف قابلية المهام للأتمتة بحسب طبيعة العمل ومستوى المهارات المطلوبة ومدى اعتماد المؤسسات على التقنيات الرقمية.

وفي هذا السياق، حذرت مديرة صندوق النقد الدولي من تراجع الطلب على بعض فئات العمال، مقابل استمرار الحاجة إلى وظائف أخرى، من بينها أنشطة منخفضة الأجر في قطاعات مثل البناء.

واعتبرت أن زيادة الطلب على الأعمال محدودة الأجر لا تمثل بالضرورة تطوراً إيجابياً، خاصة إذا تزامنت مع تقلص فرص العمل التي توفر أجوراً أعلى ومسارات مهنية أكثر استقراراً.

لماذا يخشى صندوق النقد الدولي على الإيرادات الضريبية؟

لا تتوقف مخاوف صندوق النقد الدولي عند مستقبل التشغيل، بل تمتد إلى قدرة الحكومات على الحفاظ على مواردها المالية في ظل التحولات التي يحدثها الذكاء الاصطناعي.

وأشارت غورغييفا إلى أن التوسع في الاعتماد على التكنولوجيا قد يؤدي إلى انتقال جزء أكبر من النشاط الاقتصادي نحو رأس المال، على حساب العمل البشري الذي يشكل مصدراً مهماً للإيرادات الضريبية.

وتعتمد دول عديدة على الضرائب المرتبطة بالأجور والدخول المهنية لتمويل نفقاتها العامة، بما في ذلك التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والبنية التحتية.

ومع تغير توزيع الدخل بين العمال وأصحاب رأس المال، قد تواجه الحكومات تحديات جديدة في الحفاظ على التوازن بين تشجيع الاستثمار التكنولوجي وضمان موارد كافية لتمويل الخدمات العمومية.

ويطرح هذا التحول أسئلة حول مدى ملاءمة الأنظمة الضريبية الحالية لاقتصاد تصبح فيه البرمجيات والأنظمة الذكية قادرة على أداء مهام كانت تتطلب أعداداً كبيرة من العاملين.

كما يبرز احتمال اتساع الفوارق الاقتصادية إذا تركزت مكاسب الإنتاجية لدى الشركات المالكة للتكنولوجيا، دون أن تنعكس بصورة متوازنة على أجور العاملين ومستويات معيشتهم.

الذكاء الاصطناعي والوظائف يفرضان إصلاح التعليم والسياسات الاقتصادية

دعت مديرة صندوق النقد الدولي الحكومات إلى التحرك من أجل مساعدة المجتمعات على التكيف مع التحولات التكنولوجية، مؤكدة أهمية مراجعة أنظمة التعليم والتكوين المهني بما ينسجم مع احتياجات الاقتصاد الجديد.

ويكتسي تطوير المهارات أهمية متزايدة في ظل انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات، حيث لم يعد الإلمام بالتقنيات الرقمية وحده كافياً، بل أصبحت القدرة على استخدامها وتقييم نتائجها والتكيف مع تغير طبيعة المهام من المهارات المطلوبة.

ومن بين الخيارات التي يمكن أن تساعد على مواجهة هذه التحولات توسيع برامج إعادة التأهيل المهني، وتوفير فرص التعلم المستمر، وتعزيز المهارات التي يصعب استبدالها بالكامل بالأنظمة الآلية.

وتشمل هذه المهارات التفكير النقدي والإبداع وحل المشكلات المعقدة والتواصل الإنساني، إلى جانب المعارف التقنية المرتبطة بتطوير الأنظمة الرقمية وإدارتها.

وفي المقابل، تحتاج السياسات الاقتصادية إلى مواكبة هذه التحولات، خصوصاً في ما يتعلق بحماية العاملين الذين قد تتأثر وظائفهم، وتشجيع الشركات على توظيف التكنولوجيا لرفع الإنتاجية دون إغفال الأبعاد الاجتماعية.

وتبرز أهمية هذه التوصيات بالنسبة إلى الاقتصادات التي تسعى إلى تسريع تحولها الرقمي، إذ يرتبط نجاح إدماج الذكاء الاصطناعي بمدى جاهزية المؤسسات التعليمية وسوق العمل والأنظمة الاجتماعية لاستيعاب التغيرات.

ويؤكد تحذير غورغييفا أن العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والوظائف أصبحت أحد أبرز التحديات الاقتصادية للمرحلة المقبلة، بعدما انتقلت التكنولوجيا من مجرد أداة لتحسين الأداء إلى عامل قادر على إعادة تشكيل سوق العمل ومصادر الإيرادات العامة.

وبين فرص زيادة الإنتاجية ومخاطر تراجع الطلب على بعض المهن، تتجه الأنظار إلى قدرة الحكومات على وضع سياسات تحقق التوازن بين الاستفادة من التطور التكنولوجي وحماية الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.