منال الهداوي
يستعد المغرب لتعزيز مكانته في صناعة الطيران من خلال مشروع صناعي جديد تعتزم شركة إيرباص العالمية إطلاقه داخل المملكة، في خطوة من شأنها توسيع نطاق الأنشطة المرتبطة بإنتاج المروحيات وتطوير القدرات التصنيعية المحلية. ويأتي هذا التوجه في سياق التحولات التي يشهدها قطاع الطيران المغربي، الذي يسعى إلى الانتقال نحو تصنيع مكونات أكثر تطورا، واستقطاب استثمارات دولية تساهم في رفع القيمة المضافة للصناعة الوطنية.
ويتمثل المشروع المرتقب في إنشاء مصنع ثالث للشركة الأوروبية بالمغرب، على مساحة تقدر بنحو 6900 متر مربع، ضمن خطة توسعية تستهدف زيادة حضور المجموعة الصناعية في المملكة بنسبة تصل إلى 30 في المائة. ومن المنتظر أن يتيح هذا الاستثمار توسيع الأنشطة الصناعية القائمة، وفتح المجال أمام تطوير عمليات التصميم والتصنيع والتجميع، بما يعزز ارتباط المصانع المغربية بشبكة الإنتاج العالمية للشركة.
ويعكس هذا التوجه أهمية المغرب بالنسبة إلى الشركات الدولية العاملة في مجال الطيران، خاصة في ظل توفر قاعدة صناعية متنامية، ووجود كفاءات تقنية وهندسية قادرة على مواكبة متطلبات التصنيع الحديث. كما ينسجم المشروع مع مساعي المملكة إلى تنويع أنشطتها الصناعية، والانتقال تدريجيا من إنتاج المكونات الأساسية إلى تصنيع أجزاء أكثر تعقيدا تحتاج إلى خبرات متخصصة ومعايير دقيقة للجودة والسلامة.
وتدير إيرباص حاليا مصنعين في المغرب، حيث تشغل عملياتها أكثر من 1300 شخص، إلى جانب تعاونها مع حوالي 100 مورد محلي. وتوفر هذه المنظومة الصناعية قاعدة مهمة يمكن البناء عليها خلال المرحلة المقبلة، خصوصا مع توجه الشركة إلى توسيع أنشطتها والاستفادة من الإمكانات التي يتيحها النسيج الصناعي المغربي.
إقرأ أيضا : أوبك-بلاس-تجمد-إنتاج-النفط-في-نونبر-
ومن المنتظر أن يركز المصنع الجديد على أنشطة التصميم والتصنيع والتجميع، دون أن يشمل إنشاء خط نهائي لتجميع طائرات الركاب الكاملة. ويعني ذلك أن المشروع يستهدف تعزيز موقع المغرب ضمن مراحل إنتاج الطائرات ومكوناتها، بدلا من تحويل المنشأة الجديدة إلى مركز لتجميع الطائرات التجارية بصورة كاملة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الأنشطة التي تنجزها المصانع المغربية حاليا، إذ تشمل إنتاج مكونات مرتبطة بقمرات القيادة وهياكل الطائرات وألواح الأرضيات وبعض عناصر الأجنحة وتجهيزات المقصورات. وتدخل هذه المنتجات ضمن برامج صناعية عالمية، ما يجعل الوحدات المحلية جزءا من سلسلة توريد دولية تعتمد على الدقة والالتزام بمواصفات التصنيع.
كما تصنع وحدة إيرباص أتلانتيك المغرب للمركبات مكونات موجهة إلى قمرة قيادة طائرات إيرباص A320، إضافة إلى تجهيزات مرتبطة بمقصورات الأمتعة لطائرات ATR ومقاعد مخصصة لدرجتي الأولى والأعمال. وتوضح هذه الأنشطة تنوع المهام التي تضطلع بها الصناعة المغربية في قطاع الطيران، وقدرتها على تلبية احتياجات برامج إنتاج مختلفة.
ومن شأن التوسع الجديد أن يدعم هذا المسار من خلال إتاحة فرص لتصنيع مكونات إضافية، وربما أكثر تعقيدا، داخل المملكة. وقد ينعكس ذلك على حاجيات الشركات من الكفاءات التقنية والتخصصات الهندسية، كما يمكن أن يفتح آفاقا أمام الموردين المحليين الراغبين في الاندماج ضمن سلاسل الإنتاج الدولية. غير أن حجم هذه الفرص سيظل مرتبطا بطبيعة الأنشطة التي ستستقر فعليا في المصنع الجديد، وبالقرارات الاستثمارية التي ستعلن عنها الشركة خلال الفترة المقبلة.
ولا تقتصر خطط إيرباص في المغرب على التصنيع وحده، إذ تتجه الشركة أيضا إلى إطلاق أنشطة لصيانة المروحيات خلال الأشهر المقبلة، مع إمكانية تقديم خدمات لأسواق غرب إفريقيا انطلاقا من المملكة. ويمثل هذا التوجه امتدادا محتملا لدور المغرب في قطاع الطيران، عبر الجمع بين إنتاج المكونات وتقديم الخدمات التقنية للطائرات العاملة في المنطقة.
وتكتسي صيانة المروحيات أهمية خاصة بالنسبة إلى مشغلي الطائرات، إذ تشمل عمليات الفحص الدوري والإصلاح واستبدال الأجزاء المتضررة والتجديد التقني وفق المعايير المعتمدة. وتساعد هذه الخدمات على إطالة العمر التشغيلي للمروحيات وتحسين جاهزيتها، كما تتيح للشركات المتخصصة تطوير أنشطة تجارية مستمرة لا ترتبط فقط بإنتاج طائرات أو مكونات جديدة.
وفي حال تبلور المشروع الإقليمي وفق الخطط المعلنة، يمكن للمغرب أن يستفيد من موقعه الجغرافي وصلاته الاقتصادية مع دول غرب إفريقيا لتطوير خدمات موجهة إلى مشغلي المروحيات في المنطقة. ومع ذلك، لا تزال تفاصيل هذا النشاط غير مكتملة، في ظل غياب معلومات محددة بشأن العملاء المحتملين، وعدد المروحيات التي يمكن استقبالها، وحجم العقود التي قد تنتج عن هذه الخطوة.
وبالتوازي مع ذلك، يواصل قطاع الطيران المغربي العمل على توسيع صادراته وتعزيز مساهمته في الاقتصاد الوطني، إذ تستهدف التوجهات الصناعية المعلنة رفع قيمة الصادرات السنوية للقطاع إلى خمسة مليارات دولار خلال ثلاث سنوات. ويظل هذا الهدف مرتبطا بمجموع الأنشطة الصناعية العاملة في المجال، ولا يمثل القيمة المالية للمصنع الجديد الذي تخطط إيرباص لإنشائه.
ويضع هذا المشروع المرتقب المغرب أمام فرصة إضافية لتقوية حضوره في الصناعات الجوية، لكنه يطرح أيضا تحديات تتعلق بتطوير الكفاءات، وتعزيز قدرات الموردين المحليين، وتوفير بيئة صناعية قادرة على استيعاب الأنشطة ذات القيمة المضافة المرتفعة. فاستقطاب الاستثمارات الدولية لا يرتبط فقط بإنشاء المصانع، بل يتطلب كذلك نقل الخبرات وتوسيع فرص التكوين ورفع نسبة المكونات والخدمات التي توفرها الشركات المحلية.
وفي انتظار الإعلان الرسمي عن التفاصيل النهائية للمشروع، بما في ذلك قيمة الاستثمار والجدول الزمني للبناء وطبيعة الأنشطة التي ستحتضنها المنشأة، تتجه الأنظار إلى الخطوات المقبلة التي ستحدد حجم الإضافة الصناعية المرتقبة. ويعزز التوسع المزمع حضور إيرباص في المغرب، ويفتح المجال أمام مرحلة جديدة من تطوير صناعة الطيران، خصوصا إذا تمكنت المملكة من تحويل هذا النوع من الاستثمارات إلى فرص مستدامة للتشغيل والتكوين وتوسيع الصادرات.







