كوثر بوجوال
تجد الجزائر نفسها أمام مشهد دبلوماسي إقليمي متغير، بعدما بدأت السعودية والإمارات خطوات لإعادة تنشيط التواصل السياسي بينهما، في وقت تتمسك فيه الجزائر بقرار قطع علاقاتها مع أبوظبي، على خلفية خلافات متراكمة بشأن عدد من الملفات الإقليمية.
ويطرح هذا التطور تساؤلات حول انعكاسات التقارب السعودي الإماراتي على الخيارات الخارجية للجزائر، خصوصاً أن العلاقات بين الرياض وأبوظبي تتحرك نحو احتواء التوترات، بينما لا تزال القطيعة الجزائرية الإماراتية قائمة.
وكانت الجزائر قد أعلنت، في 10 شتنبر 2026، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، في خطوة ردت عليها أبوظبي بالتأكيد على أهمية الحفاظ على الروابط بين الشعبين، مع التعبير عن أملها في أن يكون القرار مؤقتاً.
وبعد أسابيع من هذا التصعيد، استقبل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في الرياض، نائب رئيس دولة الإمارات الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، في لقاء أعاد ملف العلاقات الخليجية إلى الواجهة.
لقاء محمد بن سلمان ومنصور بن زايد يعيد ترتيب المشهد الخليجي
شكل لقاء 29 شتنبر الماضي بين محمد بن سلمان ومنصور بن زايد محطة بارزة في مسار التواصل بين البلدين، بعدما شهدت علاقاتهما خلافات مرتبطة بتطورات إقليمية، وفي مقدمتها الملف اليمني.
وبحث الجانبان العلاقات الثنائية ومستجدات الأوضاع في المنطقة، بحضور وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، في مؤشر على استمرار قنوات الحوار السياسي والأمني بين الرياض وأبوظبي.
وجاء اللقاء بعد مرحلة من التباين في المواقف بشأن تطورات اليمن، حيث برزت خلافات حول بعض القوى المحلية والترتيبات الأمنية في الجنوب اليمني.
ومع تصاعد التهديدات الأمنية في المنطقة، عادت أهمية التنسيق بين البلدين إلى الواجهة، خصوصاً في الملفات المتعلقة بأمن الخليج والممرات البحرية والاستقرار الإقليمي.
ويكتسي هذا التقارب أهمية إضافية بالنظر إلى الوزن السياسي والاقتصادي للسعودية والإمارات، فضلاً عن ارتباط مصالحهما بعدد من القضايا الاستراتيجية المشتركة.
الجزائر تتمسك بالقطيعة والإمارات تترك باب الحوار مفتوحاً
في المقابل، اتخذت الجزائر مساراً مختلفاً في إدارة خلافها مع أبوظبي، بعدما قررت إنهاء العلاقات الدبلوماسية وطلب مغادرة السفير الإماراتي.
وبررت السلطات الجزائرية القرار باعتبارات مرتبطة بسيادتها ومواقفها من السياسات الإقليمية للإمارات، بينما أكدت وزارة الخارجية الإماراتية، في بيان رسمي، حرصها على العلاقات القائمة على التعاون والمصالح المشتركة.
كما شددت أبوظبي على تقديرها للشعب الجزائري والروابط الإنسانية التي تجمع البلدين، في موقف يعكس رغبتها المعلنة في عدم تحول الخلاف السياسي إلى قطيعة دائمة بين المجتمعين.
ويبرز التباين بين المسارين الخليجي والجزائري في طريقة التعامل مع الخلافات؛ فبينما تستكشف الرياض وأبوظبي فرص إعادة التنسيق، تواصل الجزائر الدفاع عن قرارها الدبلوماسي.
هل يحد التقارب السعودي الإماراتي من هامش تحرك الجزائر؟
يفتح التقارب بين السعودية والإمارات نقاشاً بشأن قدرة الجزائر على إدارة علاقاتها مع الرياض بمعزل عن خلافها مع أبوظبي.
فالسعودية تحافظ على علاقات دبلوماسية مع الجزائر، لكنها ترتبط في الوقت نفسه بمصالح استراتيجية واقتصادية وأمنية واسعة مع الإمارات، ما يجعل من غير الدقيق افتراض تطابق مواقفها مع أي طرف في الخلاف الجزائري الإماراتي.
ومن هذا المنطلق، قد يفرض استمرار التواصل السعودي الإماراتي على الجزائر التعامل مع واقع إقليمي تتداخل فيه الشراكات، دون أن تتحول الخلافات الثنائية بالضرورة إلى اصطفافات جماعية.
وتبرز أهمية هذه المعادلة في ضوء سعي دول الخليج إلى تعزيز التنسيق بشأن التحديات الأمنية، خصوصاً مع تصاعد التوترات في اليمن والتهديدات التي تستهدف البنيات التحتية والممرات الاستراتيجية.
كما يعيد المشهد الحالي النقاش حول سياسة قطع العلاقات التي اعتمدتها الجزائر في أزمات دبلوماسية سابقة، ومن بينها خلافها مع إسبانيا عقب إعلان مدريد دعمها مبادرة الحكم الذاتي المغربية لحل النزاع حول الصحراء.
وقد عرفت العلاقات الجزائرية الإسبانية لاحقاً خطوات لإعادة التواصل، في حين واصلت مدريد تأكيد موقفها من المبادرة المغربية، وهو ما يبرز تعقيدات استخدام القطيعة الدبلوماسية وسيلة للتأثير في خيارات الدول الأخرى.
وتبقى انعكاسات التقارب السعودي الإماراتي على الجزائر مرتبطة بمسار العلاقات الخليجية خلال المرحلة المقبلة، ومدى قدرة الرياض وأبوظبي على تجاوز خلافاتهما القائمة.
وفي ظل هذه التطورات، تواجه الدبلوماسية الجزائرية تحدي الحفاظ على علاقاتها مع شركائها الإقليميين، بالتوازي مع استمرار خلافها مع الإمارات، بينما تتحرك الرياض وأبوظبي نحو إعادة بناء مساحات للتفاهم والتنسيق.
وبذلك، يضع التقارب السعودي الإماراتي الجزائر أمام معادلة دبلوماسية جديدة، تتطلب التعامل مع تحولات إقليمية لا ترتبط بالضرورة بحساباتها الثنائية مع أبوظبي.








