منال الهداوي
قررت سلطات إقليم طاطا منع زراعة البطيخ بمختلف أنواعه خارج الواحات خلال الموسم الفلاحي 2026-2027، في خطوة تهدف إلى الحد من استنزاف الفرشة المائية والحفاظ على الموارد المائية المتاحة، في ظل استمرار ضعف التساقطات المطرية وتزايد الضغوط على المخزون المائي بالمنطقة.
ويأتي هذا القرار في سياق التدابير الرامية إلى مواجهة الإجهاد المائي وضمان استمرارية التزود بالماء الصالح للشرب، إلى جانب تأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المائية للأنشطة الفلاحية المعاشية التي تعتمد عليها فئات واسعة من سكان الإقليم. كما يعكس توجها نحو إعادة تنظيم بعض الزراعات التي تتطلب كميات مهمة من المياه، بما يتلاءم مع الظروف المناخية التي تعرفها المنطقة.
وأصدر عامل إقليم طاطا قرارا يقضي بالمنع المؤقت للزراعات الموسمية المستنزفة للمياه الجوفية خارج الواحات، مع إطلاق حملات تحسيسية واسعة لترشيد الاستهلاك وحماية الموارد المائية. ويدخل هذا الإجراء حيز التنفيذ ابتداء من 12 أكتوبر 2026، تاريخ توقيعه، ليشمل الموسم الفلاحي الجديد وفق الضوابط المحددة في القرار.
ويهم المنع زراعة البطيخ الأحمر والأخضر والأصفر، دون أن يمتد، بحسب المقتضيات الواردة في القرار، إلى الأراضي الواقعة داخل الواحات. ويحدد هذا التمييز المجال الترابي الذي ستطبق فيه الإجراءات الجديدة، في محاولة لتقليص الضغط على الفرشة المائية خارج المناطق الواحية، مع مراعاة خصوصية الأنظمة الفلاحية المحلية.
وتبرز أهمية هذا الإجراء بالنظر إلى طبيعة التحديات المائية التي تواجه إقليم طاطا، حيث تؤثر قلة الأمطار على تغذية الفرشات المائية وتحد من قدرة الموارد المتاحة على تلبية مختلف الاحتياجات. ومع استمرار هذه الظروف، يصبح تدبير مياه السقي والتزود بالماء الصالح للشرب من بين الأولويات التي تفرض نفسها على السلطات والفاعلين في القطاع الفلاحي.
وفي هذا السياق، يستند القرار إلى استمرار غياب التساقطات المطرية وانعكاساتها على الموارد المائية بالإقليم، فضلا عن التوصيات المنبثقة عن اجتماع اللجنة الإقليمية للماء المنعقد في 15 أبريل 2026، والاستشارة المتعلقة بالموضوع التي جرت في 9 أكتوبر من السنة نفسها مع وكالة الحوض المائي لدرعة واد نون.
إقرأ أيضا : تعاونيات-طاطا-النسائية-
وتعكس هذه المعطيات توجها نحو اتخاذ تدابير استباقية للحد من تفاقم أزمة المياه، خصوصا في المناطق التي تعتمد فيها الأنشطة الفلاحية على الموارد الجوفية. فكلما تراجعت التساقطات، ازدادت أهمية مراقبة الاستغلال المائي وتوجيهه نحو الحاجيات الأساسية، بما يضمن استمرارية التزود بالمياه ويحد من المخاطر المرتبطة بالاستنزاف المتواصل للفرشة المائية.
ولا يقتصر القرار على منع بعض الزراعات الموسمية، بل يشمل أيضا برنامجا للتحسيس بأهمية الاقتصاد في استهلاك المياه. ولهذا الغرض، جرى تكليف عدد من المؤسسات المعنية بقطاعي الماء والفلاحة بتنظيم حملات توعوية واسعة النطاق، تستهدف تعزيز الوعي بضرورة الاستخدام المسؤول للموارد المائية، سواء في الأنشطة الزراعية أو في الاستعمالات اليومية.
وتتولى تنفيذ هذه الحملات المديرية الإقليمية للشركة الجهوية متعددة الخدمات سوس ماسة، ووكالة الحوض المائي لدرعة واد نون، والمديرية الإقليمية للفلاحة، إلى جانب المديرية الإقليمية للتجهيز والماء. ومن المرتقب أن يجري تنسيق هذه الجهود مع السلطات المحلية والجماعات الترابية وجمعيات المجتمع المدني، بما يتيح توسيع نطاق التوعية وإشراك مختلف الفاعلين في حماية الثروة المائية.
ويكتسي هذا الجانب التحسيسي أهمية خاصة، لأن مواجهة ندرة المياه لا ترتبط بالقرارات الإدارية وحدها، وإنما تتطلب أيضا تغييرا في أنماط الاستهلاك وتعاونا بين المؤسسات والمزارعين والسكان. كما أن نشر الوعي بمخاطر الاستنزاف المائي يمكن أن يسهم في تعزيز الالتزام بالتدابير المتخذة، وترسيخ ثقافة الحفاظ على الموارد الطبيعية في منطقة تتأثر بشكل مباشر بالتقلبات المناخية.
ومن جهة أخرى، أسند القرار مهمة التنفيذ إلى السلطات المحلية والأمنية والدرك الملكي والقوات المساعدة، إلى جانب عدد من المسؤولين والمؤسسات الإقليمية والجهوية المختصة. وتشمل الجهات المعنية وكالة الحوض المائي لدرعة واد نون، والغرفة الفلاحية لجهة سوس ماسة، والمديرية الإقليمية للفلاحة بطاطا، والمديرية الإقليمية للتجهيز والماء، فضلا عن الجماعات الترابية، كل حسب مجال اختصاصه.
ويضع هذا التوزيع للمسؤوليات مختلف المتدخلين أمام مهمة تطبيق الإجراءات المحددة ومواكبة تنفيذها ميدانيا، بما يضمن احترام نطاق المنع وتحقيق الأهداف المرتبطة بحماية الموارد المائية. كما يبرز أهمية التنسيق المؤسساتي في تدبير ملف يتداخل فيه الجانب البيئي مع الأمن المائي والاستقرار الاجتماعي واستمرارية الأنشطة الاقتصادية المحلية.
وتطرح هذه الخطوة، في الوقت نفسه، أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات المحافظة على المياه والحاجيات الاقتصادية للفلاحين، خصوصا أن القرارات المرتبطة بالزراعات الموسمية يمكن أن تؤثر على اختياراتهم الإنتاجية ومداخيلهم. ويجعل ذلك من الضروري تعزيز التوعية بالممارسات الزراعية الملائمة للظروف المناخية، والعمل على ترسيخ تدبير أكثر استدامة للمياه، مع مراعاة خصوصيات المجال الواحي وطبيعة الأنشطة الفلاحية بالإقليم.
كما تبرز الحاجة إلى مواصلة التفكير في حلول طويلة الأمد تساعد المناطق المتضررة من الإجهاد المائي على التكيف مع تراجع التساقطات، من خلال تحسين أساليب الري، وترشيد استخدام المياه، وتشجيع الممارسات التي تراعي محدودية الموارد الطبيعية. فالحفاظ على الفرشة المائية لا يرتبط بموسم فلاحي واحد، بل يمثل تحديا مستمرا يتطلب تخطيطا متواصلا وتعاونا بين مختلف المتدخلين.
ويؤكد قرار منع زراعة البطيخ خارج الواحات بإقليم طاطا خلال الموسم الفلاحي 2026-2027 أولوية حماية المياه في ظل الظروف المناخية الصعبة، مع التركيز على ضمان التزود بالماء الصالح للشرب وتأمين احتياجات الفلاحة المعاشية. وبين الإجراءات التنظيمية والحملات التحسيسية، يبقى نجاح هذه التدابير مرتبطا بمدى الالتزام بتطبيقها وتعاون المؤسسات والفلاحين والسكان من أجل الحد من استنزاف الموارد المائية والحفاظ عليها للأجيال المقبلة.







