كوثر بوجوال
كشفت الوكالة القضائية للمملكة عن ارتفاع عدد المنازعات القضائية الجديدة التي تواجه الدولة المغربية خلال سنة 2025، بالتزامن مع تراجع القيمة المالية للأحكام الصادرة ضدها إلى 2.88 مليار درهم، في حصيلة تسلط الضوء على استمرار الاختلالات المرتبطة بتدبير الصفقات العمومية والقرارات الإدارية وتنفيذ الالتزامات القانونية.
وأفاد التقرير السنوي للوكالة، الصادر عن وزارة الاقتصاد والمالية، بأن عدد القضايا الجديدة بلغ 22 ألفاً و910 ملفات، بارتفاع نسبته 8 في المائة مقارنة بسنة 2024، بينما انخفضت المبالغ المحكوم بها ضد الدولة بنسبة 25 في المائة.
ويعكس هذا التباين استمرار ارتفاع عدد النزاعات المعروضة على القضاء، رغم تقلص قيمتها المالية الإجمالية، ما يعيد طرح إشكالية الوقاية من الأخطاء الإدارية وتحسين تدبير الخلافات قبل وصولها إلى المحاكم.
منازعات الدولة بالمغرب ترتفع والملفات الإدارية تتصدر
تصدرت المنازعات الإدارية القضايا الجديدة المسجلة خلال سنة 2025، بإجمالي بلغ 12 ألفاً و976 ملفاً، أي ما يعادل 56.71 في المائة من مجموع المنازعات.
وسجل هذا الصنف ارتفاعاً بنسبة 5.4 في المائة مقارنة بسنة 2024، التي شهدت تسجيل 12 ألفاً و308 قضايا إدارية.
وترتبط هذه الملفات بعدة مجالات، من بينها تدبير المرافق العمومية، وتنفيذ المشاريع الاستثمارية، والصفقات العمومية، ونزع الملكية لأجل المنفعة العامة، فضلاً عن الطعون المتعلقة بمشروعية القرارات الإدارية.
وفي المقابل، ارتفع عدد القضايا المعروضة على القضاء العادي بنسبة 9.7 في المائة، ليبلغ 8822 ملفاً، بينما انتقلت ملفات التسوية الحبية من 870 إلى 1082 ملفاً.
وتبرز هذه المؤشرات اتساع حجم النزاعات التي تتطلب تدخلاً قانونياً، سواء عبر المساطر القضائية أو من خلال آليات التسوية الودية.
وسلط التقرير الضوء على مجموعة من الممارسات الإدارية والتعاقدية التي تساهم في نشوء الخلافات، خصوصاً عدم توثيق عمليات تسلم الأشغال والخدمات والتوريدات بمحاضر قانونية، وعدم احترام الإجراءات المنظمة لفسخ الصفقات.
كما رصد إنجاز أشغال إضافية خارج العقود الأصلية دون إبرام ملاحق تعاقدية، وقبول طلبيات تتضمن عيوباً، وهي ممارسات قد تفتح الباب أمام مطالبات مالية ونزاعات بشأن تنفيذ الالتزامات.
أخطاء في تدبير الصفقات ترفع كلفة التعويضات
من بين الاختلالات التي توقف عندها التقرير عدم اتخاذ بعض الإدارات الإجراءات اللازمة لإخراج المقاولات من الأوراش بعد فسخ الصفقات العمومية.
وقد تؤدي هذه الوضعية إلى مطالبة المقاولات بتعويضات عن تجميد المعدات والآليات ومصاريف الحراسة، مع إمكانية تجاوز المطالب المالية في بعض النزاعات القيمة الأصلية للصفقة.
وتشمل مصادر المنازعات أيضاً قضايا الاعتداء المادي على العقارات، وعدم تنفيذ أحكام قضائية تقضي بإلغاء قرارات إدارية، والحوادث المرتبطة بالمرافق العامة، بما فيها الحوادث المدرسية.
وتبرز هذه الملفات أهمية احترام المساطر القانونية وتوثيق القرارات والإجراءات الإدارية، بما يحد من مخاطر التعويضات التي قد تتحملها الميزانية العامة.
أحكام بـ2.88 مليار درهم وتدابير للحد من النزاعات
على المستوى المالي، بلغت المطالب المقدمة ضد الدولة خلال سنة 2025 نحو 6.04 مليارات درهم، مقابل أحكام مالية صادرة ضدها بقيمة 2.88 مليار درهم.
وكانت قيمة الأحكام قد بلغت حوالي 3.84 مليارات درهم سنة 2024، ما يمثل انخفاضاً يقارب 960 مليون درهم خلال السنة الموالية.
وفي المقابل، وصلت قيمة المبالغ المحكوم بها لفائدة الدولة إلى نحو 1.29 مليار درهم.
وقدرت الوكالة القضائية للمملكة المبالغ التي ساهم تدخلها في توفيرها للخزينة بنحو 4.45 مليارات درهم، وفق منهجية تحتسب الفارق بين المطالب المالية والأحكام الصادرة ضد الدولة، إضافة إلى المبالغ المحكوم بها لفائدتها.
وأبرز التقرير أهمية الدفاع القانوني وتقديم الوثائق المثبتة في النزاعات القضائية، مستعرضاً قضية عقارية صدر فيها حكم ابتدائي بتعويض قدره 45.78 مليون درهم، قبل إلغائه استئنافياً، ثم انتهاء دعوى لاحقة بتنازل المدعية بعد تقديم وثائق تتعلق بالوضعية القانونية للعقار.
كما أشار إلى قرار لمحكمة النقض، صدر في 15 ماي 2025، قضى بنقض حكم استئنافي يتعلق بمطالبة مالية قدرها 1.44 مليون درهم في نزاع حول صفقة عمومية، مع إحالة القضية لإعادة النظر فيها.
وفي إطار الوقاية من المنازعات، حللت الوكالة 10 آلاف و4 أحكام قضائية، ونظمت 31 دورة تكوينية، إلى جانب عقد 65 جلسة للتوفيق خلال سنة 2025.
كما أحدثت شبكة للتنسيق مع قطاعات وزارية، من بينها الداخلية والعدل والتجهيز والماء والتربية الوطنية، بهدف تحسين تبادل المعلومات ورصد المخاطر القانونية.
ودعا الوكيل القضائي للمملكة، عبد الرحمان اللمتوني، إلى تحديث الإطار القانوني المنظم لاختصاصات الوكالة، الذي يعود إلى سنة 1953، وإحداث منصة وطنية مندمجة لتتبع منازعات الدولة، مع تعزيز الموارد البشرية وآليات اليقظة القانونية داخل الإدارات.
وتضع حصيلة سنة 2025 الإدارات العمومية أمام تحدي تقليص أسباب النزاعات من مصدرها، عبر تحسين تدبير العقود والصفقات، واحترام القرارات القضائية، وتطوير التسوية الودية، بما يحد من الأعباء المالية والقانونية المرتبطة بالمنازعات.






