سياسة

محمد غياث يقود رهان الأحرار على رئاسة لجنة العدل بالبرلمان

14:57 · 14/10/2026

منال الهداوي

يتجه حزب التجمع الوطني للأحرار إلى تعزيز حضوره داخل المؤسسة التشريعية من خلال ترشيح محمد غياث لرئاسة لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب، في خطوة تعكس توجه الحزب نحو إعادة ترتيب موقعه السياسي خلال المرحلة الجديدة، بعد انتقاله من قيادة الحكومة إلى صفوف المعارضة البرلمانية.

ويأتي هذا الاختيار في سياق سياسي يتسم بإعادة توزيع المسؤوليات داخل الغرفة الأولى، بالتزامن مع انتخاب هياكل مجلس النواب ورؤساء لجانه الدائمة، وهي محطات تكتسي أهمية خاصة في تحديد موازين القوى بين الأغلبية والمعارضة، ورسم معالم التدبير البرلماني خلال الولاية التشريعية الحالية.

ويعيد ترشيح غياث إلى الواجهة اسما راكم تجربة داخل المؤسسة التشريعية، بعدما سبق له أن تولى رئاسة الفريق النيابي للتجمع الوطني للأحرار، فضلا عن شغله منصب نائب رئيس مجلس النواب خلال الولاية السابقة، الأمر الذي يمنحه تجربة في تدبير العمل البرلماني والتعامل مع مختلف مكونات المشهد السياسي.

ويستعد مجلس النواب، في هذا الإطار، لاستكمال تشكيل أجهزته التنظيمية عبر انتخاب أعضاء المكتب ورؤساء اللجان النيابية الدائمة، طبقا للمقتضيات الدستورية والنظام الداخلي للمجلس. وتعد لجنة العدل والتشريع من أبرز هذه اللجان، بالنظر إلى طبيعة الملفات التي تدخل ضمن اختصاصاتها، وارتباطها بمناقشة النصوص القانونية والتعديلات التشريعية التي تؤطر جوانب متعددة من الحياة العامة.

ويبرز اختيار محمد غياث لهذه المهمة رغبة الحزب في الاستفادة من تجربته السياسية والتنظيمية، خصوصا في مرحلة تتطلب من مكونات المعارضة تطوير أدوات اشتغالها داخل البرلمان، ومواكبة مشاريع القوانين، ومناقشة السياسات العمومية، إلى جانب ممارسة الرقابة على العمل الحكومي وفق الاختصاصات المخولة للمؤسسة التشريعية.

إقرأ أيضا : غياث-يدافع-عن-حصيلة-الأحرار

وفي السياق نفسه، قرر التجمع الوطني للأحرار الدفع بمصطفى بايتاس لعضوية مكتب مجلس النواب، بما يعكس سعي الحزب إلى الحفاظ على حضور مؤسساتي داخل هياكل المجلس، رغم التحول الذي عرفه موقعه السياسي بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة. ويمنح الجمع بين التمثيل داخل المكتب والسعي إلى رئاسة لجنة دائمة الحزب فرصة للمشاركة في تدبير العمل البرلماني من أكثر من موقع.

وتكتسب هذه التحركات أهمية إضافية بالنظر إلى التغير الذي طرأ على الوزن الانتخابي للتجمع الوطني للأحرار، بعدما انتقل من صدارة انتخابات سنة 2021 بحصوله على 102 مقعد إلى موقع المعارضة برصيد 66 مقعدا. ويضع هذا التحول الحزب أمام تحدي إعادة بناء حضوره السياسي، والمحافظة على تماسك تنظيمه، وإثبات قدرته على مواصلة التأثير في النقاش العمومي من خارج السلطة التنفيذية.

ومن جهة أخرى، لا ينفصل التنافس على رئاسة لجنة العدل والتشريع عن طبيعة العلاقة بين مكونات المعارضة نفسها، التي تضم أحزابا تختلف في مرجعياتها السياسية وتوجهاتها، لكنها تتقاسم موقعا جديدا داخل المؤسسة التشريعية. ويجعل هذا الوضع توزيع المسؤوليات البرلمانية مجالا للتفاوض والتنافس، خاصة عندما يتعلق الأمر باللجان التي تتولى دراسة ملفات حساسة ومشاريع قوانين ذات أثر مباشر على المجتمع والمؤسسات.

وتشير المعطيات المتعلقة بالخريطة البرلمانية إلى وجود عدة مكونات معارضة، من بينها التجمع الوطني للأحرار، وحزب العدالة والتنمية، وحزب الحركة الشعبية، وتحالف اليسار، إلى جانب نواب ينتمون إلى أحزاب أخرى. ويمنح هذا التنوع المعارضة وزنا عدديا مهما، لكنه يطرح في المقابل تحدي تنسيق المواقف وتحديد الأولويات، خصوصا في القضايا التي تتطلب توافقا بين أطراف لا تتبنى بالضرورة المقاربة السياسية نفسها.

ويشكل حزب العدالة والتنمية، الذي يتوفر على 54 مقعدا، أحد المكونات الأساسية للمعارضة، إلى جانب الحركة الشعبية التي حصلت على 29 مقعدا، وتحالف اليسار الذي يضم ثمانية مقاعد، فضلا عن ممثلين عن أحزاب أخرى. وتؤشر هذه التركيبة على أن التنافس داخل المعارضة لن يقتصر على المواقع التنظيمية، بل قد يمتد إلى طبيعة المبادرات التشريعية والرقابية التي ستطرح خلال المرحلة المقبلة.

وبالموازاة مع ذلك، تبرز أهمية لجنة العدل والتشريع باعتبارها فضاء لمناقشة عدد من القضايا المرتبطة بالإصلاح القانوني والمؤسساتي، إذ تتيح للنواب دراسة مشاريع القوانين ومقترحات التشريع، وتقديم التعديلات، وتبادل المواقف بشأن النصوص المعروضة عليها. كما تشكل اجتماعاتها مناسبة لمساءلة الاختيارات التشريعية المطروحة، وتقييم مدى استجابتها للتحولات الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية.

ومن المنتظر أن تفرض المرحلة المقبلة على رئيس اللجنة، في حال انتخاب محمد غياث، مسؤوليات تتجاوز تدبير الاجتماعات وتنظيم المناقشات، لتشمل ضمان سير الأشغال وفق القواعد البرلمانية، وتيسير تفاعل مختلف الفرق والمجموعات النيابية مع النصوص المعروضة، واحترام المساطر المعتمدة في دراسة مشاريع القوانين. وتزداد أهمية هذه المسؤولية في ظل وجود أغلبية تمتلك موقعا متقدما داخل المؤسسة التشريعية، مقابل معارضة تسعى إلى توظيف آليات الرقابة والنقاش لتأكيد حضورها.

ويعكس هذا التطور أيضا تحولا في طبيعة الأدوار التي ينتظر أن يؤديها التجمع الوطني للأحرار، بعدما غادر موقع قيادة الحكومة إلى موقع المعارضة. فالحزب مطالب اليوم بإعادة صياغة خطابه البرلماني وتحديد الملفات التي سيعطيها الأولوية، مع الاستفادة من التجربة التي راكمها خلال السنوات الماضية في تدبير الشأن الحكومي والتشريعي.

ولا تقتصر أهمية ترشيح غياث على شخصه أو على المنصب الذي يسعى الحزب إلى الظفر به، بل ترتبط كذلك بالرسائل السياسية التي يحملها هذا الاختيار بشأن طريقة تدبير المرحلة الجديدة. فالحضور داخل اللجان الدائمة ومكتب المجلس يتيح للأحزاب المشاركة في تنظيم العمل التشريعي، لكنه يضعها أيضا أمام اختبار القدرة على تحويل المواقع المؤسساتية إلى أداء ملموس يستجيب لانتظارات المواطنين.

وبين إعادة ترتيب المواقع والتنافس على المسؤوليات، تتجه الأنظار إلى كيفية تشكل التوازنات الجديدة داخل مجلس النواب، ومدى قدرة مختلف الفرق على تجاوز الحسابات التنظيمية نحو نقاش تشريعي أكثر فعالية. وسيظل أداء لجنة العدل والتشريع، وطبيعة الملفات التي ستعالجها، ومستوى التفاعل بين أعضائها، من المؤشرات الأساسية التي ستكشف حدود التوافق والاختلاف بين الأغلبية والمعارضة خلال الولاية الحالية.