ثقافة و تراث

مسرحية إيغود تتوج بالجائزة الكبرى للثقافة الأمازيغية

15:45 · 14/10/2026

منال الهداوي

حققت مسرحية «إيغود»، التي يقدمها محترف أكادير للفنون، تتويجا جديدا في مسار المسرح الأمازيغي، بعد فوزها بالجائزة الكبرى للثقافة الأمازيغية في صنف المسرح، في محطة فنية تحتفي بالإبداع المسرحي وتبرز قدرة اللغة الأمازيغية على احتضان تجارب فنية تجمع بين الابتكار والتأمل في قضايا الإنسان والمجتمع. ويعكس هذا الإنجاز الحضور المتنامي للأعمال المسرحية التي تتجاوز حدود الفرجة التقليدية، لتطرح أسئلة مرتبطة بالهوية والذاكرة والتحولات التي يعيشها الإنسان في علاقته بماضيه وحاضره.

وجرى تسليم الجائزة للفنان حميد أشتوك، صباح الأربعاء 14 أكتوبر 2026، بمقر المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، ضمن مناسبة خصصت للاحتفاء بالثقافة الأمازيغية وتكريم الإسهامات الفنية التي تعمل على تطويرها وإغناء رصيدها الإبداعي. ويتزامن هذا الموعد مع استحضار ذكرى الخطاب الملكي بأجدير، الذي ألقاه الملك محمد السادس في 17 أكتوبر 2001، وشكل محطة بارزة في مسار الاعتراف باللغة والثقافة الأمازيغيتين وتعزيز مكانتهما داخل المشهد الثقافي المغربي.

ويمنح هذا التتويج مسرحية «إيغود» قيمة إضافية ضمن تجربتها الفنية، خصوصا أنها اختارت الاشتغال على موضوعات تتجاوز المعالجة المباشرة للأحداث، من خلال بناء مسرحي يمزج بين السخرية والتأمل والمفارقة. كما يبرز العمل إمكانية توظيف اللغة الأمازيغية في التعبير عن قضايا إنسانية واجتماعية معاصرة، بما يجعلها أداة للإبداع والتفكير، ووسيلة لطرح أسئلة عميقة حول علاقة الفرد بالمجتمع وبالتحولات التي تحيط به.

وتعتمد المسرحية على رحلة فنية عبر الزمن، تتداخل خلالها الأزمنة وتتقاطع الأسئلة، في محاولة للكشف عن الروابط التي تجمع الماضي بالحاضر، وعن أثر الذاكرة في تشكيل وعي الإنسان وفهمه للعالم. ومن خلال هذا البناء، تستحضر «إيغود» قضايا الأصل والأرض والهوية والمصير، وتفتح المجال أمام الجمهور للتأمل في التحولات التي عرفها المجتمع، وفي التناقضات التي قد تنشأ بين ما ورثه الإنسان من الماضي وما يواجهه في واقعه اليومي.

وفي سياق هذه الرؤية، تستثمر المسرحية عناصر الكوميديا السوداء والعبث والسخرية، إلى جانب أبعاد فلسفية تمنح الأحداث دلالات تتجاوز ظاهرها. فلا تكتفي التجربة بتقديم مشاهد تستهدف الترفيه، بل تسعى إلى دفع المتلقي نحو إعادة النظر في بعض الأفكار والمسلمات، عبر مفارقات فنية تكشف جوانب من الواقع الاجتماعي والإنساني. ويمنح هذا الاختيار العمل طابعا خاصا، يجمع بين جاذبية العرض وعمق الأسئلة التي يطرحها، مع الحفاظ على خصوصيته الثقافية واللغوية.

إقرأ أيضا : لمصعد-مسرحية-جديدة-تفتتح-الموسم

ويسهم هذا التوجه في إبراز دور المسرح الأمازيغي باعتباره فضاء مفتوحا للتعبير عن الذاكرة الجماعية ومناقشة قضايا الحاضر، بعيدا عن حصر اللغة في وظيفتها التواصلية اليومية. فالاشتغال الفني على الأمازيغية يتيح توسيع إمكاناتها التعبيرية، ويمنحها حضورا في معالجة موضوعات فكرية وجمالية تتصل بالإنسان في مختلف أبعاده. ومن هذا المنطلق، تأتي الجائزة لتسلط الضوء على تجربة تراهن على الجمع بين الخصوصية الثقافية والانفتاح على الأسئلة الإنسانية المشتركة.

وعلى مستوى الإنجاز الفني، كتب نص «إيغود» سفيان نعوم، بينما تولى رشيد لهزمير مهمة الإخراج، وأشرف هشام الذهبي على السينوغرافيا، فيما صممت مليكة موض الملابس، ووضع هشام ماسين الموسيقى، وتكفل خالد لكتيف بالإضاءة. وتكاملت هذه العناصر في تشكيل الفضاء البصري والسمعي للعرض، بما يخدم الرؤية الإخراجية ويعزز العلاقة بين حركة الممثلين ودلالات النص وأجواء المشاهد.

كما تولى حسن حنيش المحافظة العامة للعمل، وأشرف حسن ادنارور على إدارة الإنتاج، فيما تكلف منتصر إثري بالإعلام والتواصل. ويشارك في تشخيص المسرحية الفنانون حميد اشتوك، وكبيرة البرداوز، وحسن عليوي، وخديجة أمنتاك، ضمن تجربة جماعية تتداخل فيها مهارات الأداء مع التصور الفني والتقني، لتقديم عرض يستند إلى تكامل مختلف مكونات العمل المسرحي.

وعززت «إيغود» حضورها الفني من خلال مشاركتها في المنافسة الرسمية للدورة الثامنة لمهرجان الدار البيضاء للمسرح الأمازيغي، الذي نظم خلال الفترة الممتدة من 30 شتنبر إلى 4 أكتوبر 2026. وجاءت هذه المشاركة بعد جولة وطنية شملت عددا من الجهات المغربية، من بينها سوس ماسة ومراكش آسفي ودرعة تافيلالت، وهو ما أتاح للعمل الوصول إلى جمهور متنوع وتوسيع دائرة التفاعل مع تجربته المسرحية.

ويكتسب هذا المسار أهمية إضافية بالنظر إلى الدور الذي تؤديه الجولات الفنية والمهرجانات في التعريف بالإنتاجات المسرحية وتبادل التجارب بين الفنانين والجمهور. كما يتيح التنقل بين الجهات المغربية اختبار قدرة العروض على التواصل مع بيئات مختلفة، مع الحفاظ على مكوناتها الثقافية وخصوصيتها التعبيرية. ويؤكد حضور «إيغود» في هذه المحطات أن المسرح الأمازيغي يملك إمكانات للانفتاح والانتشار، متى توفرت له شروط الإنتاج والترويج والمواكبة الفنية.

وتحظى المسرحية بدعم وزارة الشباب والثقافة والتواصل، قطاع الثقافة، إلى جانب التعاون مع جماعة أكادير، في إطار المساهمة في إنجاز العمل وتعزيز حضوره ضمن المشهد المسرحي الوطني. ويشكل هذا الدعم عاملا مهما في استمرار المبادرات الفنية التي تسعى إلى تطوير الإنتاج الأمازيغي، وفتح المجال أمام المبدعين لتقديم أعمال تستجيب لتطلعات الجمهور وتواكب التحولات التي يعرفها المجال الثقافي.

ويفتح هذا التتويج أمام محترف أكادير للفنون محطة جديدة لمواصلة الاشتغال على مشاريع مسرحية تستثمر اللغة الأمازيغية في بناء تجارب تجمع بين الإبداع والبحث الجمالي. كما يعيد التأكيد على أهمية المسرح في صون الذاكرة وتقديم قراءات فنية للواقع، وفي تحويل القضايا المرتبطة بالهوية والأرض والمجتمع إلى مادة للحوار والتفكير.

وبهذا الإنجاز، تكرس «إيغود» حضورها ضمن التجارب المسرحية الأمازيغية التي تراهن على تجديد أشكال التعبير وتوسيع آفاق الكتابة فوق الخشبة. ولا يقتصر أثر الجائزة على الاحتفاء بعمل واحد، بل يمتد إلى إبراز قيمة المبادرات الفنية التي تمنح اللغة الأمازيغية مساحة أوسع داخل الإنتاج الثقافي المغربي، وتؤكد أن المسرح قادر على الجمع بين الذاكرة والابتكار، وبين التعبير عن الخصوصية المحلية وطرح الأسئلة الإنسانية التي تتجاوز الحدود.