كوثر بوجوال
دخل ملف الصحراء المغربية مرحلة جديدة من النقاش داخل الأمم المتحدة، بعدما دعا ستافان دي ميستورا، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، إلى اعتماد مبادرة الحكم الذاتي المغربية أساسا للمفاوضات المقبلة، مع مطالبته مليشيات البوليساريو بالتعامل الجدي مع المقترح الذي تقدمت به المملكة.
وأقر دي ميستورا، خلال إحاطة مغلقة قدمها أمام أعضاء مجلس الأمن الدولي يوم 8 أكتوبر الجاري، بأن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود، رغم الجهود الدبلوماسية التي بذلت خلال الأشهر الماضية لإعادة تحريك العملية السياسية.
وأوضح المسؤول الأممي أن تجاوز الوضع الحالي يتطلب تدخلا من مجلس الأمن لتوضيح بعض الجوانب المرتبطة بالقرار 2797، بما يسمح بجعل الحكم الذاتي محور المناقشات المستقبلية.
وكشف أن المغرب قدم وثيقة موسعة من 39 صفحة تتضمن تصورا للحكم الذاتي، معتبرا أنها تشكل أرضية متينة للتفاوض، وإن كانت تحتاج إلى مناقشات إضافية قبل التوصل إلى صيغة نهائية متفق عليها.
اقرأ أيضا: البوليساريو تهاجم دي ميستورا بعد اتهامه بتأييد الحكم الذاتي المغربي وتهدد بمراجعة تعاونها معه
دي ميستورا يكشف أسباب تعثر مفاوضات الصحراء المغربية
أرجع المبعوث الأممي استمرار الجمود إلى ثلاثة عوامل رئيسية، يتقدمها غياب الثقة بين الأطراف، ورفض جبهة البوليساريو الانخراط بجدية في مناقشة تفاصيل الحكم الذاتي، فضلا عن تعقيد الملفات المطروحة على طاولة المفاوضات.
وأشار إلى أن الأشهر الأولى من سنة 2026 شهدت ثلاث جولات من المفاوضات رفيعة المستوى، عقدت في واشنطن ومدريد، بمشاركة السفير الأمريكي مايكل والتز، وبدعم من مسعد بولوس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي.
ورغم التفاؤل الحذر الذي عبر عنه في أبريل الماضي، أكد دي ميستورا أن الجهود المبذولة منذ ذلك التاريخ لم تنجح في تقريب المواقف، ما جعل تدخل مجلس الأمن ضروريا لإعطاء دفعة جديدة للمسار السياسي.
وفي هذا السياق، اعتبر أن مبادرة الحكم الذاتي أصبحت الخيار الذي يستحق التركيز الأكبر في المرحلة الراهنة، بعد سنوات من البحث عن تسوية سياسية مقبولة.
وشدد على ضرورة أن يكون الحكم الذاتي المقترح حقيقيا وفعليا، وأن يتيح لسكان الصحراء إدارة شؤونهم عبر مؤسسات تتمتع بصلاحيات واضحة، مع توفير ضمانات دولية لمتابعة تنفيذه.
كما ربط هذا التصور بعملية ذات مغزى لتقرير المصير، مؤكدا أهمية التوصل إلى ترتيبات تحظى بالقبول وتضمن استدامة الحل.
مشروع مغربي من 39 صفحة على طاولة المفاوضات
شكل الكشف عن الوثيقة المغربية الموسعة إحدى أبرز النقاط التي تضمنتها إحاطة دي ميستورا، إذ اعتبر المشروع المكون من 39 صفحة أساسا مناسبا لفتح نقاش تفصيلي بشأن الصلاحيات والمؤسسات وآليات التنفيذ.
وأوضح أن الحكم الذاتي الفعلي ينبغي أن يشمل قدرة السكان على تدبير القرارات السياسية المرتبطة بحياتهم اليومية، وإدارة الخدمات العمومية والمشاركة في سن القوانين وتسيير المؤسسات.
كما تطرق إلى الجوانب المتعلقة بالقضاء والأمن المحلي والأنشطة الاقتصادية، إلى جانب ضرورة ضمان استقرار الترتيبات المتفق عليها وعدم إلغائها بقرارات أحادية.
ودعا إلى إشراك مختلف المكونات الصحراوية في العملية السياسية، بما فيها جبهة البوليساريو، مع توفير ظروف آمنة وكريمة لعودة اللاجئين الراغبين في ذلك.
اقرأ أيضا: دي ميستورا يستعد لجولة إقليمية جديدة لإحياء المسار السياسي لقضية الصحراء
دعوة البوليساريو إلى التفاوض ومبادرة لزيارة العيون والداخلة
وجه دي ميستورا دعوة مباشرة إلى جبهة البوليساريو من أجل الانتقال من رفض مناقشة الحكم الذاتي إلى دراسة تفاصيل المبادرة المغربية، وطلب التوضيحات وتقديم تعديلات ومقترحات عملية بشأن بنودها.
وأكد أن المطلوب من الجبهة لا يتمثل في قبول المشروع المغربي دون نقاش، وإنما الانخراط في مفاوضات بناءة تسمح باستكشاف إمكانية الوصول إلى تسوية توافقية.
وأعرب عن أمله في تحقيق تقدم بهذا الاتجاه قبل نهاية سنة 2026، معتبرا أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مرونة سياسية من مختلف الأطراف.
وفي تطور آخر، كشف المبعوث الأممي عن مبادرة لتنظيم زيارات فردية وطوعية للاجئين الصحراويين إلى مدينتي العيون والداخلة، بهدف الاطلاع على الأوضاع القائمة ومناقشة مضامين مقترح الحكم الذاتي.
وأوضح أن المبادرة طُورت بالتعاون مع المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برهم صالح، وأُبلغت بها جبهة البوليساريو في رسالة مؤرخة في 2 شتنبر، وقعها إلى جانبه السفير الأمريكي مايكل والتز.
وأشار إلى أن الجبهة ردت يوم 14 شتنبر معربة عن استعدادها للتعاون مع المفوضية لتسهيل تنفيذ المبادرة، وهو موقف دعا إلى البناء عليه.
كما ذكّر دي ميستورا بالأوضاع الإنسانية للاجئين الموجودين في مخيمات تندوف، وكذلك الموجودين في دول أخرى، خصوصا موريتانيا.
واختتم المبعوث الأممي تقييمه بالتأكيد أن الحياد لا يقتضي الاكتفاء بمراقبة استمرار الجمود، داعيا إلى مفاوضات بحسن نية بعد صدور قرار مجلس الأمن المقبل.
وتبرز هذه المواقف تحول النقاش الأممي نحو التفاصيل العملية للحكم الذاتي، في وقت يتمسك فيه المغرب بمبادرته باعتبارها أساسا لتسوية سياسية للنزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية، بينما يبقى إحراز تقدم فعلي رهينا بمواقف الأطراف والقرارات المقبلة لمجلس الأمن.








