مجتمع

مديرية الأمن الوطني تستعرض تطور المؤسسة الأمنية أمام قضاة العالم

19:31 · 15/10/2026

منال الهداوي

استقبلت المديرية العامة للأمن الوطني بالعاصمة الرباط وفودا قضائية رفيعة المستوى تمثل 24 دولة من إفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط، في مبادرة أتاحت لضيوف المغرب فرصة التعرف عن قرب على تطور المؤسسة الأمنية الوطنية، والوقوف على طبيعة المهام التي تضطلع بها في حماية المواطنين وتأمين الفضاء العام وتعزيز التعاون مع أجهزة العدالة.

وشكلت هذه الزيارة مناسبة لاستعراض التحولات التي شهدها العمل الأمني بالمغرب، من خلال جولة ميدانية داخل المقر الإداري الجديد للمديرية العامة للأمن الوطني، حيث اطلع المشاركون على عدد من المنشآت والمرافق التي تجمع بين التدبير الإداري والعملياتي والتقني، في إطار تصور يروم تطوير أداء المؤسسة الأمنية وتحسين ظروف اشتغال موظفيها.

وجاء تنظيم هذا اللقاء على هامش مشاركة رؤساء محاكم النقض والوكلاء العامين وأعضاء الهيئات القضائية العليا في مؤتمر دولي احتضنته المملكة تحت عنوان «العدالة والذكاء الاصطناعي: الفرص والمخاطر»، وهو موضوع يسلط الضوء على التحولات التي تعرفها المنظومة القضائية في ظل التقدم التكنولوجي، وما يرافقه من فرص لتطوير الخدمات القانونية، إلى جانب تحديات ترتبط بحماية المعطيات وضمان الحقوق والحريات.

وفي هذا السياق، عكست الزيارة حرص المؤسسة الأمنية على توسيع قنوات التواصل مع شركائها المؤسساتيين داخل المغرب وخارجه، من خلال تقديم صورة ميدانية عن طبيعة عملها والوسائل التي تعتمد عليها في أداء مسؤولياتها. كما أتاحت للوفود المشاركة فرصة الاطلاع على كيفية ارتباط العمل الأمني بالمنظومة القضائية، باعتبار أن التنسيق بين مختلف المؤسسات يشكل عنصرا أساسيا في تدبير القضايا الجنائية وتطبيق القانون.

ولم تقتصر الجولة على المرافق الإدارية، بل امتدت إلى متحف الأمن الوطني، الذي يقدم جانبا من تاريخ المؤسسة الأمنية المغربية، ويستعرض أبرز المحطات التي طبعت مسارها منذ نشأتها، فضلا عن التحولات التي عرفتها على امتداد العقود الماضية. وشكل هذا الفضاء فرصة للضيوف الأجانب للتعرف على المراحل التي ساهمت في بناء التجربة الأمنية المغربية، وفهم التطور الذي رافق اختصاصات الشرطة وأساليب اشتغالها.

إقرأ أيضا : حماية-التراث-المغربي-الأمن-الوطني

ومن خلال المعروضات والمضامين التاريخية للمتحف، تمكن أعضاء الوفود القضائية من الوقوف على جانب من الذاكرة المؤسساتية للأمن الوطني، واستحضار المسار الذي قطعته المؤسسة في مواكبة التحولات الاجتماعية والتكنولوجية، مع استمرار اضطلاعها بمسؤوليات حفظ النظام العام وحماية الأشخاص والممتلكات.

وبالتوازي مع الجانب التاريخي، حظيت المنشآت العملياتية باهتمام خاص خلال هذه الزيارة، إذ اطلع المشاركون على قاعات قيادة العمليات ومرافق المراقبة بالكاميرات، التي تساهم في متابعة الوضع الأمني بعدد من المدن المغربية وتدعم تدبير التدخلات الميدانية. وتبرز هذه المرافق أهمية أنظمة الرصد والتنسيق في التعامل مع مختلف الحالات، خصوصا عندما يتعلق الأمر بتأمين الفضاءات الحضرية الكبرى والاستجابة السريعة للأحداث التي تستدعي تدخلا أمنيا.

كما شملت الجولة قاعات مخصصة لتدبير الأزمات ومرافق معنية بتأمين منشآت المديرية العامة للأمن الوطني، وهي فضاءات تندرج ضمن منظومة الاستعداد للتعامل مع الحالات الاستثنائية وضمان استمرارية العمل داخل المرافق الحيوية. ويعكس إدراج هذه المنشآت ضمن برنامج الزيارة الاهتمام بتقديم مختلف مستويات التدبير الأمني، بدءا من التخطيط والتنسيق وصولا إلى متابعة العمليات والتعامل مع المستجدات.

وفي جانب آخر، اطلعت الوفود على مراكز تدبير البيانات والتجهيزات المعلوماتية التي تعتمد عليها المؤسسة في معالجة المعلومات وتنظيم العمل اليومي، بما ينسجم مع التحول الرقمي الذي بات يفرض نفسه على الإدارات والأجهزة الأمنية في مختلف دول العالم. وأصبحت التكنولوجيا عنصرا مؤثرا في تطوير طرق العمل وتبادل المعطيات، شريطة مراعاة متطلبات الأمن المعلوماتي وحماية البيانات واحترام الضوابط القانونية المنظمة لاستعمالها.

وتكتسب هذه الجوانب أهمية إضافية في ضوء النقاش الدولي المتنامي حول استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات القضائية والأمنية، إذ تتيح الأدوات الرقمية إمكانات جديدة لتسريع معالجة الملفات وتحسين التنسيق، لكنها تطرح في المقابل أسئلة تتعلق بالمسؤولية والشفافية ودقة المعلومات وحماية الحياة الخاصة. ومن ثم، فإن الجمع بين الزيارة الميدانية والمشاركة في مؤتمر يناقش العلاقة بين العدالة والتكنولوجيا يمنح اللقاء بعدا مؤسساتيا يتجاوز التعريف بالمرافق إلى استحضار التحديات المشتركة التي تواجه أجهزة العدالة والأمن.

وحرص برنامج الزيارة كذلك على إبراز المرافق التي توفرها المديرية لموظفيها، من خلال الاطلاع على فضاءات العمل والخدمات المدمجة داخل المجمع الإداري الجديد، بما فيها المركز الرياضي والمسجد. ويبرز هذا الجانب الاهتمام بتهيئة بيئة عمل تضم مرافق متعددة، وتجمع بين متطلبات أداء المهام المهنية والخدمات المساندة للحياة اليومية للعاملين بالمؤسسة.

وتندرج هذه المبادرة ضمن توجه يرمي إلى تعزيز انفتاح المديرية العامة للأمن الوطني على محيطها المؤسساتي، وإتاحة المجال أمام الشركاء القضائيين للاطلاع المباشر على بنياتها وتجهيزاتها وطريقة تنظيم العمل داخلها. كما تساهم اللقاءات من هذا النوع في تبادل الخبرات والتجارب بين المؤسسات، وفتح المجال أمام نقاشات أوسع بشأن سبل تطوير التعاون في القضايا التي تتقاطع فيها المسؤوليات الأمنية والقضائية.

وتبرز مشاركة وفود من 24 دولة في هذه الزيارة أهمية التواصل المؤسساتي في عالم تتزايد فيه الحاجة إلى التنسيق بين أجهزة العدالة والأمن، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالتطور الرقمي وتغير طبيعة الجريمة وتنامي الاعتماد على التكنولوجيا. وفي هذا الإطار، يشكل التعريف بالتجربة المغربية فرصة لإبراز مكونات العمل الأمني الوطني، كما يتيح للوفود المشاركة الاطلاع على نموذج تنظيم المرافق الأمنية وتدبير وظائفها المختلفة.

وبذلك، جمعت الزيارة بين استحضار تاريخ المؤسسة الأمنية المغربية والتعرف على بنياتها الحديثة ووسائل اشتغالها، في سياق دولي يناقش مستقبل العدالة وعلاقتها بالتكنولوجيا. كما أكدت أهمية تعزيز جسور التواصل بين المؤسسات الأمنية والقضائية، بما يدعم تبادل التجارب ويساهم في تطوير أساليب العمل المشترك لخدمة القانون وحماية أمن المواطنين.