إعلان
980×90
مساحة إعلانية
اقتصاد

الأمن المائي في المغرب يتغير بمشاريع كبرى لمواجهة الجفاف

13:36 · 11/09/2026

هجر إمغري

دخل قطاع الماء في المغرب خلال السنوات الأخيرة مرحلة جديدة من التحول، بعدما فرضت سنوات الجفاف المتتالية وتراجع الموارد المائية تسريع وتيرة المشاريع الرامية إلى تأمين احتياجات السكان والقطاعات الاقتصادية والفلاحية. ودفع هذا الوضع إلى توسيع الاستثمارات في البنيات المائية، وتنويع مصادر التزويد، والبحث عن حلول قادرة على مواجهة الضغط المتزايد على الموارد الطبيعية.

ورفعت السلطات الميزانية المخصصة للبرنامج الوطني للتزويد بالماء الصالح للشرب ومياه السقي للفترة الممتدة إلى سنة 2027، من 115 مليار درهم إلى 143 مليار درهم، في خطوة تعكس حجم التحديات التي بات يفرضها الإجهاد المائي، كما تؤكد انتقال تدبير الموارد من منطق الاستجابة الظرفية إلى اعتماد مشاريع طويلة الأمد تهدف إلى حماية الأمن المائي وتعزيز قدرة البلاد على مواجهة السنوات الجافة.

وشهدت السنوات الممتدة بين 2021 و2026 تسارعا واضحا في إنجاز المنشآت المائية، خصوصا السدود الكبرى التي تظل من أهم ركائز تدبير الموارد المائية بالمغرب. وأنجز خلال هذه الفترة تسعة سدود كبرى، أضافت طاقة تخزينية تقارب ملياري متر مكعب، وهو ما من شأنه دعم قدرة البلاد على تخزين المياه خلال فترات التساقطات والاستفادة منها خلال أشهر الجفاف وارتفاع الطلب.

وسرعت الجهات المعنية كذلك وتيرة إنجاز عدد من المشاريع الاستراتيجية، حيث جرى تقديم موعد وضع سد آيت زيات في الخدمة بـ17 شهرا، بينما تم تسريع إنجاز سد تمري بـ33 شهرا، في مؤشر على الأهمية التي أصبحت تحظى بها المنشآت المائية في ظل الظرفية المناخية الصعبة. وبالتوازي مع ذلك، استمرت أشغال بناء 14 سدا كبيرا، بما يفتح المجال أمام تعزيز الطاقة التخزينية الوطنية خلال السنوات المقبلة.

ولم تتوقف الاستثمارات عند السدود الكبرى، بل امتدت إلى السدود الصغيرة والمتوسطة التي تلعب دورا مهما في تزويد المناطق المحلية بالمياه ودعم الأنشطة الفلاحية والحد من آثار الفيضانات. وأطلق برنامج يمتد بين 2022 و2027 لإنجاز 155 سدا صغيرا بكلفة تفوق 6.23 مليارات درهم، فيما انتهت الأشغال في 16 سدا، وبلغت 15 منشأة أخرى مراحل متقدمة من الإنجاز، بينما كانت أربعة سدود متوسطة الحجم قيد البناء باستثمار إجمالي يقارب 1.9 مليار درهم.

وفي سياق البحث عن موارد إضافية، توسعت عمليات استكشاف المياه الجوفية، باعتبارها أحد المكونات المهمة في منظومة التزويد بالماء، خصوصا في المناطق التي تواجه نقصا في الموارد السطحية. وأنجزت خلال الفترة نفسها أكثر من 5,143 عملية حفر استكشافية، بهدف تحديد إمكانات المياه الجوفية وتوسيع قاعدة الموارد التي يمكن الاعتماد عليها عند الحاجة.

وبالتزامن مع ذلك، برزت تحلية مياه البحر كواحدة من أبرز التحولات التي عرفها تدبير الموارد المائية في المغرب. وارتفعت القدرة الوطنية للتحلية من حوالي 45 مليون متر مكعب إلى نحو 410 ملايين متر مكعب سنويا سنة 2026، موزعة على 17 محطة، وهو تطور يعكس توجها متزايدا نحو الاعتماد على الموارد غير التقليدية لتقليص الضغط على المياه السطحية والجوفية.

ودخلت مجموعة من محطات التحلية الخدمة في عدد من المناطق، من بينها أكادير-شتوكة وآسفي والجرف الأصفر وسيدي إفني والكركرات والعيون وطرفاية، فيما استمرت مشاريع أخرى في مناطق مختلفة، من بينها الدار البيضاء والداخلة، إلى جانب توسعة عدد من المنشآت القائمة. ويعكس هذا الانتشار محاولة لتقريب مصادر المياه الجديدة من المناطق التي تعرف ضغطا متزايدا على الموارد أو ترتبط حاجياتها بالماء الصالح للشرب والفلاحة والصناعة.

ومن المنتظر أن يأخذ هذا المسار بعدا أكبر خلال السنوات المقبلة، مع توقع تجاوز القدرة الوطنية لتحلية مياه البحر 1.7 مليار متر مكعب سنويا بحلول سنة 2030. ومن شأن هذا الارتفاع أن يعيد تشكيل خريطة مصادر المياه بالمغرب، خصوصا مع توجه متزايد نحو جعل البحر مصدرا مائيا استراتيجيا مكملا للسدود والمياه الجوفية.

وفي الاتجاه نفسه، توسعت مشاريع الربط بين الأحواض المائية بهدف نقل المياه من المناطق التي تعرف وفرة نسبية إلى مناطق أخرى تواجه ضغطا أكبر. وشكل مشروع نقل مياه سبو نحو أبي رقراق إحدى أبرز التجارب في هذا المجال، بعدما أنجزت مرحلته الأولى في مدة قصيرة، وتم خلال الفترة الممتدة بين شتنبر 2023 ودجنبر 2025 نقل حوالي 950 مليون متر مكعب من المياه، ما ساهم في دعم التزود بالماء على مستوى محور الرباط والدار البيضاء.

كما تعزز الربط بين سدي واد المخازن ودار خروفة، بما سمح بتأمين صبيب يصل إلى 3.2 أمتار مكعبة في الثانية، ودعم تزويد منطقة طنجة-أصيلة بالمياه، إلى جانب المساهمة في تأمين احتياجات السقي لنحو 21 ألف هكتار. ويبرز هذا النوع من المشاريع أهمية الانتقال من تدبير الموارد داخل الأحواض بشكل منفصل إلى اعتماد شبكة أكثر ترابطا تسمح بإعادة توزيع المياه حسب الحاجة والمخزون المتوفر.

وفي المقابل، لم يعد تعزيز الأمن المائي مرتبطا فقط بزيادة كمية المياه المتاحة، بل أصبح يرتبط كذلك بكيفية تدبيرها والحد من ضياعها. ولذلك تركزت جهود موازية على تحسين مردودية شبكات توزيع المياه، التي ارتفعت إلى حوالي 78 بالمائة، بما يعني تقليص جزء من المياه التي كانت تضيع قبل وصولها إلى المستهلكين، وتحسين فعالية البنية التحتية القائمة.

وشملت الإجراءات أيضا القطاع الفلاحي، الذي يعد من أكبر مستهلكي الموارد المائية، من خلال توسيع استعمال تقنيات الري الأكثر اقتصادا للمياه. وتحولت حوالي 367 ألفا و100 هكتار إضافية إلى نظام الري الموضعي، بما يساعد على استعمال المياه بكفاءة أكبر وتقليص الهدر، خصوصا في ظل تزايد الحاجة إلى الحفاظ على الموارد المائية وضمان استمرارية النشاط الزراعي.

وتكشف هذه التحولات مجتمعة عن تغير واضح في طريقة التعامل مع أزمة المياه بالمغرب، إذ لم تعد الاستجابة قائمة على مشروع واحد أو مورد واحد، وإنما أصبحت تعتمد على منظومة متكاملة تجمع بين تخزين المياه في السدود، واستغلال المياه الجوفية، وتحلية مياه البحر، وربط الأحواض، وتقليص ضياع المياه، وتحديث أنظمة الري.

ويكتسب هذا التحول أهمية أكبر في ظل استمرار التغيرات المناخية وتزايد احتمال توالي فترات الجفاف، ما يجعل توفير المياه تحديا طويل الأمد وليس ظرفا استثنائيا. لذلك، فإن توسيع البنيات المائية وتنويع مصادر التزويد يمثلان جزءا أساسيا من الاستعداد للسنوات المقبلة، خصوصا مع ارتفاع الطلب المرتبط بالنمو السكاني والتوسع الحضري وتطور الأنشطة الاقتصادية والفلاحية.

ويبدو أن المغرب يتجه تدريجيا نحو بناء منظومة مائية أكثر تنوعا وأقل ارتباطا بالتساقطات المطرية وحدها. فبينما تظل السدود عنصرا أساسيا في تخزين المياه، تفرض تحلية مياه البحر والربط بين الأحواض والري الموضعي نفسها كأدوات جديدة لتدبير الندرة وتقليص مخاطر الاعتماد على الموارد التقليدية.

وبذلك، أصبحت مشاريع الماء خلال الفترة الأخيرة جزءا من تصور أوسع للأمن المائي، يقوم على رفع القدرة على التخزين، وتنويع مصادر المياه، وتحسين كفاءة الاستعمال، وتوجيه الاستثمارات نحو المناطق الأكثر حاجة. ويظل نجاح هذا المسار مرتبطا، في المقابل، باستمرار الاستثمار وحسن تدبير الموارد وترشيد الاستهلاك، حتى تتحول المشاريع الكبرى من حلول لمواجهة الظرفية الحالية إلى دعامة مستدامة تضمن للمغرب قدرة أكبر على مواجهة تحديات الماء خلال السنوات المقبلة.

التعليقات

0 تعليق

أضف تعليقك

من شروط النشر

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الجريدة.

إعلان
980×90
مساحة إعلانية