إعلان
980×90
مساحة إعلانية
شذرات تاريخية

لماذا تعد 1956 مجرد بداية لمسار تصفية الاستعمار بالمغرب؟

13:48 · 11/09/2026

إعداد – ياسر الرقاص

لم تكن سنة 1956 سوى محطة أولى في مسار استعادة السيادة الترابية للمملكة المغربية، وليست ختاما لطموح تاريخي يستهدف جلاء آثار التجزئة الاستعمارية، فاسترجاع مناطق الحماية الفرنسية لم يلغ حقيقة أن خريطة المملكة التاريخية ظلت مبتورة بفعل التوافقات والتقسيمات القسرية التي فرضتها القوى الإمبريالية في باريس ومدريد؛ مما يجعل ملف تصفية الاستعمار في إفريقيا مشروعا غير مكتمل طالما بقيت الحدود الإدارية الموروثة عن الحقبة الاستعمارية حصينة ضد المراجعة النقدية والتاريخية.

وفي الثغور الشمالية، تقف مدينتا سبتة ومليلية والجزر الجعفرية وصخرة باديس والجزر المتوسطية شهود حية على استدامة نمط تقليدي من السيطرة العسكرية الإسبانية؛ حيث رسمت خطوط اصطناعية فاصلة بين الامتداد الطبيعي للمغرب وعمقه المتوسطي. 

ولا تعبر هذه الحدود الحالية عن قطيعة جغرافية أو بشرية منطقية، بقدر ما تجسد تركة ثقيلة لموازين قوى قديمة؛ مما يفرض استمرار التعامل مع ملف الجيوب الشمالية بوصفه قضية تصفية استعمار معلقة تخضع لمنطق الجوار غير المتكافئ والسيادة المنقوصة.

وعلى امتداد الواجهة الشرقية، أنتج المهندسون العسكريون و الخرافيون الفرنسيون هندسة ترابية اقتطعت أجزاء واسعة من الصحراء الشرقية، وفي مقدمتها منطقة تندوف وأقاليم توات وقورارة، وضمتها إداريا إلى الجزائر الفرنسية قبيل استقلال الأخيرة. 

ولم يستند هذا التحديد الخطي إلى خطوط فاصلة طبيعية أو تخوم بيئية ممتدة، بل اعتمد على اعتبارات جيوسياسية استهدفت إضعاف الدولة المركزية المغربية وتقسيم مجالها الحيوي الذي ارتبط تاريخياً بروابط البيعة الشرعية والتعيينات الإدارية الصادرة عن السلاطين المغاربة.

ومن الناحية القانونية والتاريخية، لا تطالب الرباط بتوسع ترابي أو أراض إضافية خارج نطاقها التاريخي، بل تتمسك بمرجعية “الحدود الأصيلة” القائمة قبل عقد معاهدة فاس (1912) وما تلاها من اتفاقيات تقسيم النفوذ. 

وتستحضر الأدبيات التاريخية، بما فيها أطروحات المؤرخ الفرنسي برنارد لوغان ووثائق مديرية الوثائق الملكية المغربية، تداعيات معاهدة “لالة مغنية” سنة 1845، التي تعمدت فرنسا خلالها إبقاء الحدود الجنوبية الشرقية غير محددة لتسهيل التمدد الإقليمي، وهو ما أدى لاحقا إلى اقتطاعات جغرافية ثبتت في إطار حسابات كولونيالية خاصة.

إن الاستمرار في التعامل مع الخطوط الترابية التي خطها الدبلوماسيون والعسكريون في باريس ومدريد بوصفها حقائق مطلقة غير قابلة للبحث يمثل مفارقة فكرية وسياسية تعوق استكمال مفهوم الاستقلال الإفريقي. فتحرير القرار والمجال في القارة السمراء لن يتأتى إلا بإعادة الاعتبار للحقائق التاريخية والروابط السياسية العريقة للأمم، بعيدا عن التجزئة التي خلفها مقص الاستعمار في جغرافية المنطقة.

التعليقات

0 تعليق

أضف تعليقك

من شروط النشر

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الجريدة.

إعلان
980×90
مساحة إعلانية