ياسر الرقاص
في سقوط مدو لسردية استمرت لنصف قرن، تكشفت مجددا التناقضات العميقة التي تؤطر خطاب جبهة البوليساريو، بعدما تحولت احتفالات أنصارها بنيل الجنسية الإسبانية إلى اعتراف صريح بالتبعية للقوة الاستعمارية السابقة.
المنظمة التي سوقت لنفسها لعقود في المحافل الدولية على أنها “حركة تحررية مناهضة للاستعمار”، تجد قاعدتها اليوم تفاخر بانتزاع وثائق التجنيس من مدريد، في مفارقة سياسية تنسف الأسس الأيديولوجية التي بني عليها هذا الكيان، وتكشف زيف شعاراته.
وتلخص التصريحات المتداولة في أوساط هؤلاء الأنصار حجم الانفصام السياسي القائم، حيث يتباهى المستفيدون من التجنيس بعبارات صريحة: “لسنوات ونحن نناضل من أجل هذا الحق.. نحن إسبان من أصل صحراوي”.
هذا التحول الجذري في مفهوم “النضال”، من المطالبة الوهمية بالاستقلال وتأسيس دولة، إلى الاستجداء القانوني للاندماج في هوية المستعمر التاريخي، يعكس أزمة وجودية وهشاشة في العقيدة السياسية التي يتم تلقينها داخل مخيمات تندوف.
ولفهم أبعاد هذا التناقض، تشير المعطيات التاريخية والقانونية إلى أن إسبانيا، التي أدارت المنطقة حتى خروجها سنة 1975، ظلت محط أنظار قيادات الانفصال ليس كخصم استعماري كما تدعي أدبياتهم، بل كملاذ سياسي واقتصادي.
وتؤكد تقارير التتبع القانوني في إسبانيا أن المحاكم والدوائر الإدارية الإسبانية شهدت في السنوات الأخيرة تقاطرا لآلاف الطلبات من أنصار الجبهة لإثبات الارتباط الاستعماري بغية الحصول على الجواز الإسباني، وهو المسار الذي سبق للمحكمة العليا الإسبانية أن قيدته في قرارات سابقة حين اعتبرت أن المنطقة لم تكن أرضا إسبانية بالمعنى الدستوري الكامل، قبل أن تستمر المساعي للالتفاف على هذا المعطى عبر ثغرات قانونية أخرى.
هذه الهرولة نحو إثبات “الأصل الإسباني” لا تفضح فقط خواء الشعارات المرفوعة، بل تطرح تساؤلا جوهريا حول المنطق السياسي لكيان يقتات على خطاب المظلومية والعداء للاستعمار، بينما يرى أتباعه في الانتماء القانوني والجنسية الممنوحة من هذا المستعمر ذاته أسمى انتصاراتهم. هي نهاية منطقية لأطروحة بنيت على الوهم، لتصطدم بواقع يبحث فيه مدعي الثورة عن حضن من ادعى يوما أنه يحاربه.








التعليقات
0 تعليق