إعلان
980×90
مساحة إعلانية
اقتصاد

معاصر الزيتون بالمغرب.. هل تهدد الطرق التقليدية جودة الإنتاج؟

12:01 · 18/10/2026

منال الهداوي

تفتح الوفرة المرتقبة في محصول الزيتون بالمغرب خلال الموسم الفلاحي 2025-2026 الباب أمام فرص اقتصادية مهمة، لكنها تعيد في الوقت نفسه طرح أسئلة جوهرية بشأن جودة زيت الزيتون وقدرة منظومة العصر الوطنية على مواكبة ارتفاع الإنتاج. فبينما ينتظر أن يقترب المحصول من مليوني طن، مدفوعا بانتعاش الإنتاج وتحسن المؤشرات الفلاحية، يواجه القطاع تحديا يرتبط أساسا بطرق تحويل الزيتون إلى زيت، ومدى احترام شروط التخزين والعصر والحفاظ على الخصائص الطبيعية للمنتج النهائي.

وتتجاوز الإشكالية مجرد توفير الكميات الكافية لتلبية الطلب الداخلي، لتشمل ضرورة الارتقاء بجودة زيت الزيتون المغربي وتعزيز قدرته على المنافسة في الأسواق الدولية. فارتفاع الإنتاج لا يعني بالضرورة الحصول على زيت عالي الجودة، خصوصا عندما تستمر نسبة كبيرة من المحصول في المرور عبر وحدات تقليدية لا تتوفر جميعها على التجهيزات الضرورية لضبط مراحل العصر ومراقبة شروط المعالجة.

وتبرز الأرقام المتداولة في القطاع حجم التفاوت بين البنيات التقليدية والعصرية، إذ يضم المغرب نحو 11 ألف معصرة تقليدية، مقابل حوالي 948 وحدة عصرية وشبه عصرية، بطاقة استيعابية إجمالية تقترب من 1.8 مليون طن من الزيتون سنويا. ويعكس هذا الفارق اتساع قاعدة الإنتاج التقليدي، الذي ما يزال يشكل جزءا مهما من النشاط الاقتصادي في المناطق القروية، لكنه يضع في المقابل تحديات حقيقية أمام توحيد معايير الجودة وضمان استقرار خصائص الزيت المنتج.

وتستقبل المعاصر التقليدية كميات مهمة من محصول صغار الفلاحين، الذين يعتمدون عليها لقربها من الضيعات وانخفاض تكاليف نقل المحصول في بعض المناطق. غير أن استمرار بعض الممارسات القديمة في التخزين والعصر قد يؤدي إلى تراجع جودة الزيت، خاصة عندما تترك ثمار الزيتون لفترات طويلة قبل معالجتها، أو عندما لا تخضع المعدات لعمليات التنظيف والصيانة المنتظمة. لذلك، لا يرتبط تطوير القطاع بالاستغناء عن المعاصر الصغيرة بقدر ما يرتبط بتأهيلها ومساعدتها على احترام الشروط التقنية والصحية المطلوبة.

إقرأ أيضا : توقع-بتراجع-إنتاج-الزيتون-المغربي

وتكشف الخريطة الجهوية لنشاط العصر عن تمركز مهم للبنيات الإنتاجية في جهة فاس-مكناس، التي تستحوذ على نحو 62 في المائة من مجموع قدرات العصر والتثمين على المستوى الوطني، تليها جهة مراكش-آسفي بحصة تقارب 16 في المائة. ويمنح هذا التركز الجغرافي للجهتين وزنا كبيرا في مستقبل سلسلة الزيتون، كما يبرز أهمية توجيه الاستثمارات نحو تحديث التجهيزات وتحسين أساليب المعالجة، بالتوازي مع دعم المناطق الأخرى المنتجة للزيتون.

وتتجلى انعكاسات هذا الوضع بصورة أوضح عند الانتقال من حجم المحصول إلى طبيعة الزيت المستخرج منه. فالتقديرات الخاصة بالموسم الحالي تشير إلى إمكانية إنتاج نحو 200 ألف طن من زيت الزيتون، بزيادة تناهز 105 في المائة، غير أن الرهان الحقيقي يبقى مرتبطا بحصة الزيت الممتاز من هذه الكمية. وتشير المعطيات المهنية المتداولة إلى أن زيت الزيتون البكر الممتاز لا يمثل سوى ما بين 10 و15 في المائة من الإنتاج الوطني، مقابل نسب أكبر لأصناف أخرى تختلف في خصائصها وجودتها ومدى ملاءمتها للاستهلاك المباشر.

وفي المقابل، تتراوح حصة الزيت البكر بين 25 و35 في المائة، بينما تمثل الزيوت العادية ما بين 20 و25 في المائة. أما زيت المصابيح، فتقدر نسبته بما بين 25 و40 في المائة، وهو زيت لا يصلح للاستهلاك المباشر وفق تصنيفه المعتاد، ويحتاج إلى التكرير قبل استخدامه في المنتجات المخصصة للاستهلاك. وتوضح هذه الأرقام أن زيادة الكميات المنتجة لا تكفي وحدها لرفع القيمة الاقتصادية للقطاع، ما لم تترافق مع تحسين نوعية الزيت وتقليص الخسائر التي تتسبب فيها الممارسات غير الملائمة.

وتبدأ المحافظة على الجودة من الحقل، قبل أن تصل إلى المعصرة. فكلما تأخر نقل الزيتون بعد جنيه، ارتفعت احتمالات تعرضه للتلف والتخمر، خصوصا عندما يجري تكديسه في أكياس أو تخزينه في ظروف تفتقر إلى التهوية المناسبة. كما أن تأخير العصر قد يؤثر في الرائحة والمذاق والحموضة، وهي عناصر أساسية في تحديد تصنيف الزيت وقيمته التجارية. وتزداد هذه المخاطر عندما لا تتوفر المعصرة على تجهيزات تسمح بالتحكم في درجات الحرارة، أو عندما لا تحظى المعدات والأسطح الملامسة للثمار والزيت بالتنظيف الكافي.

وعلى النقيض من ذلك، تتيح المعاصر العصرية اعتماد أنظمة أكثر إحكاما في معالجة الزيتون، والاستفادة من تقنيات الفصل بالطرد المركزي والتحكم في مراحل الاستخلاص. ويساعد احترام درجات الحرارة المناسبة وتقليص تعرض الزيت للهواء والضوء على الحفاظ على خصائصه الحسية وجودته. ومع ذلك، لا تضمن التكنولوجيا وحدها إنتاج زيت ممتاز، إذ تظل جودة الثمار عند الجني وسرعة نقلها ونظافة المعدات وطريقة التخزين عوامل حاسمة في النتيجة النهائية.

وتفرض هذه المعطيات على الفاعلين في سلسلة الزيتون إعادة النظر في مفهوم التحديث، بحيث لا يقتصر على إنشاء وحدات صناعية جديدة، وإنما يشمل أيضا تأهيل المعاصر التقليدية وتوفير التكوين التقني للعاملين فيها، إلى جانب تعزيز المراقبة وتسهيل حصول المنتجين على التجهيزات الحديثة. ويمكن أن يسهم هذا التوجه في حماية مصالح الفلاحين الصغار، مع تقليص الفجوة بين الإنتاج التقليدي ومتطلبات السوق التي أصبحت تمنح أهمية متزايدة للجودة والتتبع والسلامة الغذائية.

وتكتسي هذه الخطوات أهمية إضافية بالنظر إلى أن السوق المحلية تستوعب ما بين 84 و85 في المائة من زيت الزيتون المنتج في المغرب، في حين ما تزال الصادرات دون الإمكانات التي تتيحها مكانة المملكة في زراعة الزيتون. فقد بلغت صادرات زيت الزيتون البكر خلال سنة 2024 نحو 8593 طنا، بقيمة تقارب 79.7 مليون دولار، وهي أرقام تبرز وجود مجال واسع لتطوير الحضور المغربي في الأسواق الخارجية، شريطة توفير منتج قادر على المنافسة من حيث الجودة والسعر واستمرارية التوريد.

ويشكل البرنامج الممتد إلى أفق 2030 فرصة لإعادة بناء هذا التوازن، إذ يستهدف استثمارات تناهز 16.9 مليار درهم، منها نحو 8.3 مليارات درهم في شكل دعم عمومي، مع طموح لرفع إنتاج الزيتون إلى 3.5 ملايين طن وزيادة صادرات زيت الزيتون وزيت التفل إلى 100 ألف طن. غير أن بلوغ هذه الأهداف يظل مرتبطا بمدى قدرة مختلف المتدخلين على تحويل الاستثمارات إلى نتائج ملموسة تشمل تحسين الإنتاجية، وتحديث وحدات العصر، وتطوير التخزين والتعبئة والتسويق.

وتبقى الأولوية خلال المرحلة المقبلة هي ربط نمو الإنتاج بتحسن الجودة، من خلال وضع معايير واضحة لمراحل الجني والنقل والعصر والتخزين، وتشجيع الفلاحين على تسليم المحصول في الوقت المناسب، وتوسيع الاستفادة من التقنيات الحديثة. كما يتعين تعزيز مراقبة المنتجات وتطوير آليات التتبع، بما يسمح للمستهلك بالتمييز بين الأصناف المختلفة، ويمنح المنتجين الملتزمين بالجودة فرصة أفضل للحصول على قيمة عادلة لمحاصيلهم.

وهكذا، يجد قطاع الزيتون المغربي نفسه أمام اختبار يتجاوز وفرة الموسم الفلاحي الحالي، ليشمل قدرته على بناء منظومة إنتاج أكثر كفاءة واستدامة. فالمعاصر التقليدية تمثل جزءا من النسيج الاقتصادي والاجتماعي في القرى، لكن استمرارها يتطلب التكيف مع شروط الجودة الحديثة. وبين تحديث وحدات العصر وحماية مصالح الفلاحين وتوسيع الأسواق الخارجية، يتحدد مستقبل زيت الزيتون المغربي وقدرته على التحول من محصول وفير إلى منتج ذي قيمة مضافة مرتفعة ومكانة أقوى في المنافسة الدولية.

التعليقات

0 تعليق

أضف تعليقك

يرجى الالتزام بأدب الحوار واحترام الآخرين.