هجر إمغري
أظهرت عمليات الرصد الميداني الأخيرة استمرار الهدوء الذي يطبع وضعية الجراد الصحراوي بالمغرب، بعدما أكدت عمليات تفتيش واسعة عدم تسجيل أي نشاط لهذه الآفة الزراعية في المناطق التي شملتها المراقبة، في معطيات من شأنها أن تبعث على الارتياح لدى الفلاحين والمهنيين، خصوصا في ظل المخاوف التي ترافق عادة تحركات أسراب الجراد خلال الفترات التي تشهد تغيرات في الظروف المناخية والبيئية.
وأفادت نتائج المسوحات التي أجريت خلال شهر غشت الماضي بأن مختلف المناطق التي خضعت للتفتيش لم تعرف ظهور أسراب أو تجمعات للجراد الصحراوي، ما يعزز حالة الاستقرار التي سادت منذ منتصف شهر يوليوز الماضي. كما لم تسجل عمليات الرصد أي مؤشرات مقلقة يمكن أن تهدد المحاصيل الزراعية أو الغطاء النباتي، الأمر الذي يجعل الوضع داخل التراب المغربي بعيدا، في الوقت الراهن، عن سيناريو انتشار واسع لهذه الآفة.
وشملت عمليات المراقبة مناطق واسعة في شرق وجنوب شرق المملكة، حيث جرى تتبع عدد من المجالات الممتدة بين آسا وطاطا، إلى جانب المناطق الواقعة على الخط الرابط بين زاكورة والراشيدية، وصولا إلى مناطق أقصى الشمال الشرقي، خاصة بالقرب من بوعرفة وفجيج. وسمحت هذه التحركات الميدانية بتكوين صورة أكثر دقة حول الوضع، خصوصا أن مراقبة المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية تعد من الوسائل الأساسية لرصد أي تحرك مبكر للجراد.
وامتدت عمليات التقصي كذلك إلى عدد من المواقع الواقعة في الأقاليم الجنوبية، حيث جاءت النتائج المسجلة سلبية بشكل كامل، بعدما لم يتم العثور على أسراب أو مجموعات حشرية في النقاط التي شملتها عمليات التفتيش. ويكتسي هذا المعطى أهمية خاصة بالنسبة للمناطق الزراعية والواحاتية، التي يمكن أن تتأثر بشكل مباشر في حال ظهور أسراب كبيرة قادرة على الانتقال لمسافات طويلة بحثا عن مصادر الغذاء والغطاء النباتي.
وفي المقابل، لعبت الظروف البيئية السائدة خلال الفترة الأخيرة دورا مهما في الحد من فرص تكاثر الجراد الصحراوي بالمغرب، بعدما أظهرت غالبية المناطق التي خضعت للمراقبة تراجعا في مستوى الغطاء النباتي. فقد اتجهت مساحات واسعة نحو الجفاف، بينما أصبحت مناطق أخرى جافة بشكل كامل، وهي ظروف لا توفر البيئة المناسبة التي يحتاجها الجراد للتكاثر والاستقرار لفترات طويلة.
ويعني استمرار جفاف الغطاء النباتي أن فرص تشكل بؤر جديدة للجراد تبقى محدودة في الوقت الراهن، خاصة أن هذا النوع من الجراد يحتاج إلى ظروف بيئية ومناخية ملائمة، من بينها توفر الرطوبة والغطاء النباتي، حتى يتمكن من التكاثر وتكوين تجمعات قادرة على الانتشار. لذلك، فإن الوضع البيئي الحالي في عدد من المناطق المغربية يشكل عاملا مساعدا على استمرار حالة الهدوء المسجلة.
وتشير التوقعات للفترة المقبلة إلى إمكانية ظهور أعداد قليلة من الحشرات الكاملة بشكل منفرد ومعزول، غير أن هذه الاحتمالات لا ترتقي، وفق المعطيات المتوفرة، إلى مستوى تهديد فعلي للمجال الزراعي بالمملكة. كما لا تبرز المؤشرات الحالية وجود ظروف تسمح بتطور هذه الحالات المحدودة إلى أسراب واسعة الانتشار، وهو ما يبقي الوضع تحت المراقبة دون تسجيل مستجدات كبيرة.
ويظل هذا الهدوء مهما بالنسبة للقطاع الزراعي المغربي، خصوصا في ظل حساسية المحاصيل والغطاء النباتي تجاه أي انتشار واسع للجراد الصحراوي. فظهور أسراب كبيرة يمكن أن يفرض تعبئة ميدانية واسعة وعمليات مكافحة مكلفة، فضلا عن الأضرار التي قد تلحقها بالمراعي والمحاصيل والمساحات الخضراء، ولذلك تحظى عمليات الرصد المبكر بأهمية كبيرة في الحد من المخاطر قبل تحولها إلى أزمة زراعية.
وبينما يبدو الوضع مستقرا داخل المغرب، تكشف المعطيات الإقليمية عن استمرار تحركات محدودة للجراد في بعض مناطق شمال إفريقيا، مع تسجيل تفاوت واضح بين دولة وأخرى. فقد ظلت مناطق في تونس بعيدة عن النشاط الملحوظ للجراد خلال شهر غشت، في وقت ظهرت فيه مجموعات محدودة من الحشرات الكاملة غير الناضجة وحوريات متناثرة في أجزاء من جنوب شرق الجزائر وجنوب غرب ليبيا.
وسجلت عمليات الرصد في هذه المناطق وجود حشرات ناتجة عن عمليات تكاثر حدثت في بداية فصل الصيف، وهو ما دفع السلطات المعنية إلى تعزيز تدخلاتها الميدانية من خلال تنفيذ عمليات رش ومكافحة أرضية في بعض المناطق التي ظهرت فيها مؤشرات على النشاط. وشملت إحدى عمليات المكافحة مساحة بلغت نحو 100 هكتار في منطقة جبال الهقار بالجزائر، في خطوة تعكس أهمية التدخل المبكر قبل اتساع رقعة انتشار الحشرات.
وتزداد أهمية هذه الإجراءات مع استمرار تأثير الظروف المناخية على حركة الجراد الصحراوي في المنطقة المغاربية، إذ يمكن للتساقطات المطرية وتوفر الغطاء النباتي الأخضر أن يوفرا ظروفا ملائمة للتكاثر والتحرك، خصوصا في المناطق الجنوبية من الجزائر وليبيا وموريتانيا. ولذلك، فإن أي تغير في مستويات الأمطار أو الرطوبة خلال الأسابيع المقبلة قد يؤثر في طبيعة النشاط المسجل ميدانيا.
وفي هذا السياق، تبقى المراقبة المستمرة الوسيلة الأهم للحفاظ على حالة الاستقرار التي يعرفها المغرب، خصوصا أن الجراد الصحراوي لا يرتبط بالحدود الجغرافية ويمكن أن ينتقل بين مناطق ودول مختلفة عندما تتوفر الظروف المناسبة. ومن ثم، فإن استمرار عمليات المسح الميداني في المناطق الشرقية والجنوبية والجنوبية الشرقية يتيح اكتشاف أي تغير في الوضع في وقت مبكر والتعامل معه قبل تحوله إلى انتشار واسع.
كما تفرض التطورات المسجلة في بعض دول المنطقة رفع مستوى اليقظة خلال المرحلة المقبلة، لا سيما مع توقع احتمال تنامي النشاط الصيفي للجراد في أجزاء من الجزائر وليبيا وموريتانيا. ويجعل هذا الوضع من التعاون الإقليمي وتبادل المعلومات حول تحركات الأسراب والظروف المناخية عاملا أساسيا في تفادي انتقال أي موجات جديدة إلى مناطق أخرى.
وتبقى المؤشرات الحالية بالمغرب إيجابية، إذ لم تكشف عمليات المسح عن وجود أسراب أو تجمعات حشرية مقلقة، كما أن جفاف الغطاء النباتي في عدد كبير من المناطق يقلل من فرص التكاثر. ومع ذلك، فإن استمرار المراقبة يظل ضروريا، لأن طبيعة الجراد الصحراوي وقدرته على الانتقال لمسافات طويلة تجعل الاستقرار الحالي بحاجة إلى متابعة مستمرة.
ويترقب المختصون خلال الأسابيع المقبلة ما ستكشف عنه عمليات الرصد الجديدة، خصوصا مع اقتراب منتصف شهر أكتوبر، وهي فترة يمكن أن تحمل تغيرات في وضعية الجراد ببعض المناطق الجنوبية من شمال إفريقيا. وبينما لا توجد حاليا مؤشرات قوية على تحول الوضع بالمغرب إلى حالة مقلقة، فإن الجاهزية الميدانية تظل الضمان الأساسي للحفاظ على المحاصيل والغطاء النباتي وتفادي أي مفاجأة مرتبطة بتحركات هذه الآفة.
وهكذا، يواصل المغرب تسجيل وضع هادئ بالنسبة إلى الجراد الصحراوي، في وقت تتحرك فيه بعض دول المنطقة لتعزيز إجراءات الوقاية والمكافحة. وبين غياب النشاط داخل المملكة واحتمالات تغير الظروف في محيطها الإقليمي، تظل اليقظة والمسح الميداني عنصرين حاسمين لضمان استمرار هذا الاستقرار وحماية القطاع الزراعي من أي تطورات محتملة.







