كوثر بوجوال
لم يكن تعاقد الوداد الرياضي مع حكيم زياش مجرد صفقة كروية عادية في نظر جزء واسع من الجماهير المغربية. فقد استُقبلت الخطوة، منذ الإعلان عنها، باعتبارها بداية لتحول أكبر يمكن أن يجعل البطولة الاحترافية محطة جذابة لنجوم المنتخب المغربي بعد سنوات طويلة من التألق في الملاعب الأوروبية.
لكن النهاية المبكرة لتجربة حكيم زياش والوداد أعادت المشروع كله إلى دائرة السؤال، بعدما انتهى ارتباط الطرفين بفسخ ودي، في حصيلة لم تبلغ مستوى الآمال الكبيرة التي رافقت وصول اللاعب.
فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بما قدمه زياش فوق أرضية الملعب، بل بما يمكن أن تتركه تجربته من صورة لدى نجوم مغاربة آخرين قد يفكرون مستقبلا في إنهاء مسيرتهم داخل البطولة الوطنية.
زياش كان أكبر من مجرد صفقة للوداد
حين تعاقد الوداد مع زياش، بدا الأمر بالنسبة إلى الكثيرين وكأنه اختبار حقيقي لإمكانية تغيير نظرة اللاعبين المغاربة المحترفين في الخارج إلى البطولة المحلية.
فكرة عودة اسم بحجم زياش كانت تحمل بعدا تسويقيا إلى جانب القيمة الرياضية. وجود لاعب راكم تجربة طويلة في كرة القدم الأوروبية كان يمكن أن يمنح البطولة اهتماما إعلاميا إضافيا، ويرفع من جاذبيتها أمام الرعاة والجماهير خارج المغرب.
كما غذت الصفقة حلما بأن تصبح عودة النجوم المغاربة في نهاية مسيرتهم تقليدا طبيعيا، بدل أن يتجه هؤلاء حصرا إلى دوريات خارجية بحثا عن آخر العقود الاحترافية.
ومن هنا بدأت أسماء مثل أشرف حكيمي وسفيان بوفال ورومان سايس وإسماعيل الصيباري تدخل، على سبيل الطموح الجماهيري، ضمن أحلام مستقبلية لعودة لاعبين بارزين إلى الملاعب المغربية في مراحل لاحقة من مساراتهم.
نهاية مبكرة قلبت الصورة
غير أن التجربة لم تستمر بالصيغة التي تخيلها كثيرون.
فسخ العقد بالتراضي وضع نهاية مبكرة لقصة كانت الجماهير تنتظر منها أكثر، وأعاد التساؤل حول ما إذا كانت الأندية المغربية تملك فعلا البيئة المناسبة لاستقبال نجوم اعتادوا لسنوات على منظومات احترافية شديدة التنظيم.
والأثر المحتمل لهذه النهاية يتجاوز زياش نفسه، لأن أي لاعب مغربي ينشط في بطولة أوروبية قد ينظر إلى التجربة باعتبارها نموذجا يمكن أن يؤثر في قراره مستقبلا.
فحين يفكر لاعب معروف في العودة إلى البطولة الوطنية، لا يتعلق الأمر فقط بقيمة العقد أو حجم النادي، بل كذلك بطريقة التدبير، والاستقرار الرياضي، ومستوى التجهيزات، وطبيعة التعامل الإعلامي والجماهيري، ومدى قدرة المؤسسة على حماية مشروعه الرياضي.
هل أصبحت تجربة زياش رسالة سلبية للمحترفين؟
هنا يكمن السؤال الأصعب.
إذا تحولت تجربة زياش إلى صورة ذهنية سلبية، فقد يصبح إقناع أسماء كبيرة بالعودة أكثر تعقيدا. فاللاعب الذي صنع لنفسه تاريخا في دوريات أوروبية كبرى قد يتردد قبل المجازفة بالرصيد الذي بناه طوال سنوات.
ولا يعني ذلك أن فشل تجربة واحدة يغلق الباب نهائيا أمام استقطاب المحترفين، لكنه يفرض استخلاص الدروس من الطريقة التي تتم بها إدارة مثل هذه الصفقات.
فالنجوم لا يحتاجون فقط إلى استقبال جماهيري كبير عند التوقيع، بل إلى مشروع متكامل يحافظ على القيمة الرياضية والتسويقية للصفقة طوال مدة العقد.
وهنا يصبح نجاح التجربة مسؤولية مشتركة بين اللاعب والنادي والطاقم التقني والإدارة، وليس مجرد اختبار لقدرات لاعب بلغ مرحلة متقدمة من مسيرته.
البطولة تحتاج إلى ما هو أكثر من الأسماء الكبيرة
استقطاب لاعبين كبار يمكن أن يمنح البطولة الاحترافية زخما فوريا، لكنه وحده لا يكفي لبناء صورة دولية مستدامة.
فما يسمى بالتسويق الرياضي أو «Sport Branding» يقوم على منظومة أوسع تشمل التنظيم، وجودة الملاعب، والاستقرار الإداري، والتواصل الاحترافي، وجودة النقل التلفزيوني، وقدرة الأندية على صناعة منتج رياضي جذاب.
ولهذا فإن استقدام لاعب بارز ينبغي ألا يتحول إلى حدث معزول، بل إلى جزء من استراتيجية أوسع.
فالرهان الحقيقي ليس أن يعود لاعب واحد، وإنما أن تنجح تجربته بالشكل الذي يجعل لاعبين آخرين يقولون إن البطولة المغربية يمكن أن تكون خيارا محترما ومنطقيا في آخر سنواتهم الاحترافية.
قيمة زياش العالمية تطرح سؤال التعامل المحلي
يزداد النقاش حساسية حين يتعلق الأمر بلاعب بقيمة حكيم زياش.
فالدولي المغربي راكم خلال مسيرته رصيدا جعله أحد أبرز صناع اللعب المغاربة في جيله، وحظي باهتمام واسع خارج المغرب وبصورة لاعب يمتلك قيمة فنية وتسويقية كبيرة.
وهذا ما يجعل المقارنة حاضرة بين الطريقة التي يُنظر بها إليه في بيئات كروية خارجية وبين حجم التوقعات والضغوط التي رافقت تجربته داخل المغرب.
ولا تعني مكانة اللاعب أن تجربته يجب أن تنجح تلقائيا، فالتقييم الرياضي يظل مرتبطا بما يقدم داخل الملعب، لكن التعامل مع اسم بهذا الوزن يحتاج بدوره إلى إدارة دقيقة، لأن أي نهاية مضطربة لا تؤثر فقط في صورة اللاعب، بل في صورة المشروع الذي استقطبه.
هل تتكرر التجربة مع أسماء أخرى؟
من المبكر الجزم بأن نهاية تجربة زياش ستمنع لاعبين مغاربة آخرين من العودة إلى البطولة.
لكن المؤكد أنها ستصبح جزءا من الحسابات التي يضعها أي لاعب أمامه حين يفكر في اتخاذ الخطوة نفسها.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت البطولة قادرة ماليا على التوقيع مع نجم كبير، بل هل تستطيع توفير البيئة التي تجعله يكمل تجربته بصورة ناجحة؟
إذا كانت الإجابة إيجابية، فقد تظل فكرة عودة نجوم «أسود الأطلس» قابلة للتحقق، بل ويمكن أن تتحول إلى رافعة حقيقية لتسويق البطولة المغربية.
أما إذا بقيت الصفقات الكبيرة مرتبطة بالحماس الأولي دون مشروع رياضي وإداري طويل النفس، فإن تجربة حكيم زياش والوداد قد تتحول إلى المثال الذي يستحضره اللاعبون قبل اتخاذ قرار العودة.
وفي النهاية، فإن فسخ عقد زياش لا يغلق وحده باب حلم عودة النجوم، لكنه يفرض على الكرة المغربية سؤالا أكثر إلحاحا: كيف يمكن إقناع لاعب صنع اسمه في الخارج بأن العودة إلى بلاده ليست خطوة إلى الوراء، بل نهاية محترمة لمسيرة صنعتها سنوات الاحتراف؟








