كوثر بوجوال
تتواصل في موريتانيا دورة تدريبية عسكرية ميدانية يشرف عليها ضباط ومدربون من الجيش البري الإسباني لفائدة أفراد من القوات المسلحة الموريتانية، ضمن تعاون أمني يركز على تطوير القدرات المرتبطة برصد المتفجرات وتحديد طبيعتها وتفكيك العبوات الناسفة وإبطال مفعولها.
وتندرج هذه الدورة، بحسب ما أعلنته هيئة أركان الدفاع الإسبانية، ضمن ما تسميه مدريد «أنشطة الأمن التعاوني»، وهي برامج تستهدف تعزيز قدرات شركائها في مواجهة التحديات الأمنية التي تعرفها منطقة الساحل الإفريقي.
ويأتي هذا التعاون العسكري بين إسبانيا وموريتانيا في مرحلة تشهد فيها المنطقة نشاطا أمنيا متزايدا، بالتزامن مع مشاركة موريتانيا في مناورات بحرية دولية متعددة الجنسيات تحمل اسم «Phoenix Express 2026».
تدريب متخصص على المتفجرات والعبوات الناسفة
يركز البرنامج التدريبي على مجالات ذات طبيعة تقنية وأمنية دقيقة، من بينها اكتشاف المتفجرات وتحديد هويتها والتعامل معها قبل إبطال مفعولها.
كما يشمل التدريب تطوير مهارات التعامل مع العبوات الناسفة، وهي من التحديات التي تواجه القوات العسكرية والأمنية في المناطق التي تنشط فيها جماعات مسلحة وشبكات إجرامية.
ويشرف على الدورة ضباط ومدربون ينتمون إلى الجيش البري الإسباني، فيما تستفيد منها عناصر من القوات المسلحة الموريتانية.
ولا تتضمن المعطيات المنشورة تفاصيل بشأن عدد المشاركين أو مدة البرنامج أو المواقع التي تحتضن التدريبات، غير أن طبيعة التكوين تشير إلى تركيزه على رفع الجاهزية الميدانية في التعامل مع المخاطر المتفجرة.
مدريد تضع المهمة ضمن «الأمن التعاوني»
أكدت هيئة أركان الدفاع الإسبانية، في تحديث رسمي نشرته عبر حسابها على منصة «إكس»، أن المهمة تدخل ضمن أنشطة الأمن التعاوني التي تنفذها مدريد مع عدد من الدول الشريكة.
وبحسب التفسير الإسباني، فإن هذه الأنشطة تهدف إلى المساهمة في تطوير القدرات الدفاعية والجاهزية العملياتية للدول الشريكة في منطقة الساحل.
وتعتبر مدريد أن دعم قدرات جيوش المنطقة يمثل جزءا من جهود مواجهة المخاطر الأمنية العابرة للحدود، خصوصا في محيط يتسم بنشاط الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والهجرة غير النظامية.
ويعكس استمرار هذه التدريبات رغبة إسبانيا في الحفاظ على قنوات تعاون عسكري وأمني منتظمة مع موريتانيا، وليس الاكتفاء بتنسيق ظرفي مرتبط بأزمة محددة.
«Phoenix Express 2026» يضيف بعدا بحريا
يتزامن التدريب العسكري الإسباني مع مشاركة موريتانيا في المناورات البحرية الدولية متعددة الجنسيات «Phoenix Express 2026».
ويعكس تزامن الحدثين مستوى النشاط العسكري والأمني الذي تشهده المنطقة خلال الفترة الحالية، سواء على مستوى التعاون الثنائي أو التدريبات متعددة الأطراف.
وتتيح هذه الأنشطة للقوات المشاركة التدريب على سيناريوهات مختلفة مرتبطة بالأمن البحري وتنسيق العمليات ورفع القدرة على مواجهة المخاطر التي يمكن أن تمتد بين البر والبحر.
غير أن وجود النشاطين في الفترة نفسها لا يعني بالضرورة ارتباطا عملياتيا مباشرا بينهما، إذ إن كل تدريب يندرج ضمن إطار وبرنامج خاص به.
لماذا تحظى موريتانيا باهتمام أمني إسباني؟
تتمتع موريتانيا بموقع جغرافي يمنحها أهمية استراتيجية في الحسابات الأمنية المرتبطة بمنطقة الساحل والمحيط الأطلسي.
فالبلد يمتد على واجهة أطلسية واسعة ويقع بين المغرب ودول الساحل، ما يجعله حاضرا في عدد من الملفات التي تتابعها الدول الأوروبية، وفي مقدمتها الأمن البحري والهجرة غير النظامية ومكافحة الشبكات المسلحة والجريمة العابرة للحدود.
وبالنسبة إلى إسبانيا، يكتسب الموقع الموريتاني أهمية إضافية بالنظر إلى قربه من جزر الكناري والمسارات البحرية في شرق المحيط الأطلسي.
ولهذا لا يقتصر التعاون بين مدريد ونواكشوط على الجانب العسكري، بل يرتبط كذلك بملفات أمن الحدود والهجرة والتنسيق في مواجهة عدد من المخاطر الإقليمية.
بين التدريب التقني والمصالح الاستراتيجية
رغم أن المهمة المعلنة ذات طابع تدريبي واضح، فإن تكرار التعاون العسكري بين البلدين يفتح المجال أمام قراءة أوسع مرتبطة بالمصالح الاستراتيجية الإسبانية في المنطقة.
فالدول التي تنخرط في برامج للتدريب العسكري خارج حدودها غالبا ما تربط هذه البرامج بأهداف تتعلق بتعزيز علاقاتها الأمنية مع الشركاء والمحافظة على القدرة على التنسيق في مناطق ذات أهمية جيوسياسية.
وفي حالة موريتانيا، تتقاطع عدة اعتبارات بالنسبة إلى إسبانيا، أبرزها قرب الساحل الإفريقي من حدودها البحرية، وتأثير عدم الاستقرار في المنطقة على طرق الهجرة والتجارة والأمن البحري.
غير أن الحديث عن سعي إسبانيا إلى «تثبيت نفوذ» في موريتانيا يظل قراءة تحليلية، ولا يشكل هدفا معلنا رسميا للدورة الحالية، التي تقدمها مدريد في إطار دعم القدرات العسكرية والأمنية.
الساحل يرفع أهمية الشراكات العسكرية
عرفت منطقة الساحل خلال السنوات الأخيرة تحولات أمنية وسياسية متسارعة، ما دفع عددا من القوى الدولية إلى مراجعة علاقاتها الأمنية مع دول المنطقة.
وفي هذا السياق، تحولت موريتانيا إلى شريك مهم في برامج التعاون الأمني بسبب موقعها واستقرار مؤسساتها مقارنة ببعض دول الساحل التي شهدت اضطرابات وانقلابات وصراعات مسلحة.
ويجعل هذا الوضع من نواكشوط نقطة اتصال مهمة بالنسبة إلى الدول الأوروبية الراغبة في الحفاظ على حضور أمني وتعاون عملياتي بالقرب من الساحل.
ومن هنا يمكن فهم تزايد أهمية التعاون العسكري بين إسبانيا وموريتانيا، الذي يجمع بين التكوين الفني ومواجهة التهديدات العابرة للحدود، في وقت تحاول فيه مدريد حماية مصالحها الأمنية دون الانخراط المباشر في أزمات المنطقة.
دورة تقنية ضمن مشهد جيوسياسي أوسع
يظهر التدريب الحالي في ظاهره برنامجا متخصصا في تفكيك المتفجرات وإبطال العبوات الناسفة، لكنه يتحرك داخل مشهد إقليمي أكثر اتساعا يرتبط بالأمن في الساحل والمحيط الأطلسي والهجرة والمخاطر العابرة للحدود.
وبين الهدف المعلن المتمثل في رفع كفاءة القوات الموريتانية، والمصالح الأمنية الإسبانية المرتبطة بمحيطها الجنوبي، يواصل البلدان بناء تعاون عسكري يبدو مرشحا للاستمرار ما دامت التحديات الأمنية في المنطقة قائمة.








