إعلان
980×90
مساحة إعلانية
ثقافة و تراث

جو ساكو يحمل وجع غزة في رسوم تحكي قصص من نجوا من الحرب

18:30 · 13/09/2026

هجر إمغري

عاد الرسام الأمريكي جو ساكو إلى غزة من بوابة القصة المصورة، حاملا في عمله الجديد «قداس إلى غزة» شهادات عائلات فلسطينية عاشت الحرب ثم غادرت القطاع بحثا عن الأمان في مصر، في تجربة فنية وإنسانية يقول صاحبها إنه لم يكن يرغب في خوضها، لكنه وجد نفسه أمام ما اعتبره مسؤولية أخلاقية تجاه وقائع إنسانية ثقيلة يصعب تجاهلها.

ويقدم ساكو في هذا العمل صورة مختلفة عن الحرب، إذ لا يكتفي برصد الأحداث الكبرى أو تقديم مشاهد مباشرة للعنف، وإنما يقترب من تفاصيل الحياة التي عاشتها عائلات فلسطينية وجدت نفسها مضطرة إلى ترك منازلها ومحيطها الاجتماعي، لتبدأ رحلة جديدة بعيدا عن غزة. ومن خلال شهادات هذه العائلات، يحاول الرسام تحويل القصص الفردية إلى ذاكرة بصرية تحفظ جوانب من تجربة إنسانية خلفتها الحرب.

ويجمع «قداس إلى غزة» بين الرسومات التي أنجزها ساكو والنصوص التي كتبها الصحافي الأمريكي كريس هيدجز، في صيغة تمنح العمل بعدا يجمع بين الصورة والشهادة الصحافية. ويستند المشروع إلى لقاءات أجراها الرجلان مع نحو 30 عائلة فلسطينية في مصر خلال ربيع عام 2025، بعدما غادر أفرادها القطاع في ظل العمليات العسكرية والظروف الإنسانية الصعبة التي عرفتها غزة.

ويعيد هذا العمل جو ساكو إلى القضية الفلسطينية التي ظلت حاضرة في تجربته منذ تسعينيات القرن الماضي، إذ سبق له أن خصص عدة أعمال للقضية، معتمدا على أسلوب يقوم على الاقتراب من الأشخاص العاديين والاستماع إلى رواياتهم وتحويل تجاربهم إلى قصص مصورة ذات طابع وثائقي. وبذلك، لا يأتي «قداس إلى غزة» كعمل منفصل عن مساره، بل يمثل امتدادا لاهتمام طويل بالإنسان الموجود في قلب الصراع.

ويكشف ساكو أن ابتعاده عن رسم مشاهد العنف خلال السنوات الأخيرة لم يمنعه من العودة إلى الموضوع الفلسطيني، بعدما رأى أن حجم المأساة التي خلفتها الحرب جعل الصمت أكثر صعوبة. ولذلك اختار أن يتعامل مع المشروع باعتباره توثيقا لما شاهده وسمعه، بعيدا عن تقديم نفسه باعتباره ناشطا سياسيا، مؤكدا أن اهتمامه الأساسي ينصب على نقل الوقائع والظلم الذي يلمسه من خلال شهادات الأشخاص الذين يلتقيهم.

ويستند أسلوب ساكو إلى القصة المصورة الوثائقية، وهي تجربة جعلته واحدا من أبرز الأسماء المرتبطة بهذا النوع من الصحافة البصرية. فمن خلال الرسم، يمنح الشخصيات التي تظهر في أعماله مساحة لسرد تجاربها، كما يتيح للقارئ الاقتراب من أحداث معقدة عبر تفاصيل إنسانية يصعب أحيانا التعبير عنها من خلال التقارير التقليدية وحدها.

ويأتي «قداس إلى غزة» في وقت لا تزال فيه آثار الحرب حاضرة بقوة في حياة الفلسطينيين، سواء داخل القطاع أو لدى العائلات التي اضطرت إلى النزوح خارجه. وفي هذا السياق، يركز العمل على الذاكرة بقدر تركيزه على الحدث، إذ يحاول الاحتفاظ بأصوات وتجارب أشخاص عاشوا الخوف والفقدان والنزوح، وتحويلها إلى مادة فنية يمكن أن تبقى شاهدة على مرحلة قاسية من تاريخ المنطقة.

ويواجه ساكو في المقابل انتقادات من جهات تتهمه بالانحياز إلى حركة حماس أو بمعاداة السامية، وهي اتهامات يرفضها الرسام الأمريكي، معتبرا أن توجيه النقاش نحو شخصه لا ينبغي أن يحجب الوقائع التي يسعى إلى توثيقها. وقد سبق له أن خاض تجارب مشابهة في أعمال تناولت حروبا وصراعات وأوضاعا اجتماعية معقدة، حيث اختار في كل مرة الاقتراب من الضحايا والشهود بدل الاكتفاء بالروايات السياسية الرسمية.

كما واصل ساكو خلال عام 2025 حضوره في النقاش حول غزة من خلال تعاون فني مع آرت شبيغلمن، صاحب العمل الشهير «ماوس»، في قصة مصورة قصيرة تناولت الوضع في القطاع. ويعكس هذا التعاون استمرار حضور القضية الفلسطينية داخل المشهد الثقافي والفني العالمي، خصوصا في الأعمال التي تحاول استخدام الرسم كوسيلة لتوثيق الحرب وآثارها على المدنيين.

ويستحضر العمل الجديد كذلك المسار الطويل لجو ساكو في التعامل مع النزاعات والحروب، فقد سبق أن تناول في أعماله حرب البوسنة والهجرة وقضايا الشعوب الأصلية وغيرها من الملفات التي تضع الإنسان في مواجهة العنف والتهميش والاقتلاع. ومن خلال هذا المسار، رسخ أسلوبا يقوم على المزج بين التحقيق الصحافي والرسم، مع منح التفاصيل اليومية مكانة أساسية في بناء القصة.

ويحمل «قداس إلى غزة» دلالة تتجاوز حدود الكتاب نفسه، لأنه يحاول تقديم الحرب من زاوية الأشخاص الذين عاشوا نتائجها بشكل مباشر. فبدل أن تظل غزة مجرد عنوان في الأخبار أو ساحة لصراع سياسي وعسكري، تظهر في العمل كفضاء يضم عائلات وبيوتا وذكريات وعلاقات إنسانية تعرضت للتفكك تحت وطأة الحرب.

ويأتي صدور الكتاب في فرنسا، على أن يصل لاحقا إلى القارئ في الولايات المتحدة ثم بريطانيا، بما يفتح أمامه مساحة أوسع للوصول إلى الجمهور الغربي، في وقت تتواصل فيه النقاشات الدولية حول ما يجري في غزة وحجم الخسائر البشرية التي خلفتها الحرب.

ويضع ساكو في النهاية القارئ أمام شهادات لا تقدم الحرب باعتبارها أرقاما فقط، بل باعتبارها تجارب بشرية يعيش أصحابها آثارها بعد مغادرة مناطق القتال. ومن خلال الرسم والكلمة، يحاول «قداس إلى غزة» الاحتفاظ بجزء من هذه الذاكرة، وإعادة تقديمها في قالب فني يوثق الألم والنزوح والفقدان، ويمنح قصص العائلات الفلسطينية مساحة للحضور خارج نشرات الأخبار.

إعلان
980×90
مساحة إعلانية