هجر إمغري
تضع أزمة المياه في المغرب الأحزاب السياسية أمام واحد من أكثر الملفات حساسية وإلحاحا، بعدما تحولت ندرة الموارد المائية من ظرف استثنائي مرتبط بسنوات الجفاف إلى تحد طويل الأمد يفرض إعادة التفكير في طريقة إنتاج المياه واستهلاكها وتوزيعها. ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، عادت المياه إلى واجهة الوعود السياسية، لكن النقاش لم يعد يتعلق فقط بكمية المياه التي يمكن توفيرها، بل أصبح مرتبطا بالسؤال الأصعب: كيف يمكن للمغرب أن يدير موارده المحدودة في ظل ارتفاع الطلب وتغير المناخ واستمرار الضغط على الفرشة المائية؟
وتطرح البرامج الانتخابية مجموعة من المقترحات التي تراهن على تعزيز العرض المائي، عبر بناء منشآت جديدة، وتوسيع محطات تحلية مياه البحر، واستكمال مشاريع الربط بين الأحواض، وتطوير تقنيات الري، إلى جانب إعادة استعمال المياه العادمة. وتعكس هذه المقترحات إدراكا متزايدا لحجم الأزمة، لكنها تفتح في المقابل نقاشا حول مدى قدرة زيادة الإنتاج المائي وحدها على معالجة الاختلالات القائمة، خصوصا في ظل استمرار ارتفاع الاستهلاك في قطاعات حيوية وعلى رأسها الفلاحة.
وتعتبر الخبيرة أميمة خليل الفن أن تنويع مصادر المياه أصبح ضرورة لا يمكن تجاهلها، لأن الاعتماد على التساقطات والسدود لم يعد كافيا في مواجهة التحولات المناخية وتوالي فترات الجفاف، غير أن توسيع العرض المائي لا يمكن أن يشكل بمفرده حلا مستداما. فكل كمية جديدة يتم توفيرها ستجد طريقها إلى الاستهلاك إذا لم ترافقها سياسة واضحة للتحكم في الطلب، وهو ما يجعل المعركة الحقيقية مرتبطة أيضا بكيفية استعمال المياه وليس فقط بكيفية إنتاجها.
وتكشف هذه الرؤية أن المشكلة لا تختصر في غياب الموارد، وإنما تتصل كذلك بطريقة توزيعها وتحديد القطاعات التي تستحق الأولوية عند اشتداد الندرة. فزيادة إنتاج المياه قد تمنح البلاد هامشا إضافيا للتحرك، لكنها قد تتحول إلى حل مؤقت إذا استمر الطلب في الارتفاع بوتيرة أسرع من قدرة الموارد على التجدد. ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من منطق البحث المستمر عن مياه إضافية إلى منطق أكثر صرامة يقوم على إدارة الاستهلاك وربطه بحدود كل منطقة وحوض مائي.
وتراهن بعض التصورات الحزبية على بناء المزيد من السدود باعتبارها إحدى الأدوات التقليدية لتأمين الموارد المائية وتخزينها، غير أن تغير المناخ يفرض مراجعة الحسابات المرتبطة بهذا الخيار. فالسدود تظل مرتبطة بدرجة كبيرة بمستوى التساقطات، بينما أصبحت الأمطار أكثر اضطرابا وعدم انتظام، وهو ما يجعل الاعتماد عليها وحدها محفوفا بمخاطر متزايدة. لذلك، يبدو تنويع مصادر المياه ضروريا، لكن ضمن رؤية تضع في الحسبان طبيعة المناخ الجديد وليس فقط المعطيات التاريخية.
وتحضر تحلية مياه البحر بقوة في الوعود المتعلقة بالمستقبل المائي للمغرب، خصوصا بالنسبة إلى المدن والمناطق الساحلية التي يمكنها الاستفادة من هذا المورد غير التقليدي. غير أن التحلية بدورها ليست وصفة سحرية، إذ ترتبط بكلفة إنتاج المياه والطاقة التي تحتاج إليها، إضافة إلى التحديات البيئية المرتبطة بتدبير المخلفات الملحية. لذلك فإن نجاح هذا الخيار لا يقاس فقط بعدد محطات التحلية أو حجم المياه المنتجة، وإنما بمدى قدرة الدولة على ضمان استدامة هذه المشاريع وتوفير المياه بتكلفة تراعي القدرة الشرائية للمواطنين.
ويفرض الربط بين الأحواض المائية بدوره نقاشا يتجاوز الجانب التقني، لأن نقل المياه من منطقة إلى أخرى قد يساعد على مواجهة الاختلالات المجالية في توزيع الموارد، لكنه يظل مرتبطا بوضعية الحوض الذي يوفر المياه ومدى قدرته على تحمل تحويل جزء من موارده. وبذلك يصبح السؤال الأساسي هو ما إذا كان نقل المياه سيعالج الاختلال بشكل مستدام، أم سيؤدي فقط إلى نقل الضغط المائي من منطقة إلى أخرى.
وتكشف أزمة المياه في الوقت نفسه أهمية ملف الهدر داخل شبكات التوزيع والري، حيث يمكن لتقليص الخسائر أن يوفر كميات مهمة من المياه من دون الحاجة دائما إلى إنتاج موارد جديدة. غير أن تحقيق ذلك يحتاج إلى أرقام دقيقة تحدد حجم الخسائر ومواقعها وأسبابها، مع ربط المسؤولية بآجال واضحة ومؤشرات قابلة للقياس. أما إطلاق نسب عامة لخفض الهدر من دون تحديد كيفية بلوغها، فقد يحول الوعود الانتخابية إلى أهداف يصعب تقييمها بعد انتهاء الولاية.
وتزداد حساسية الأزمة عندما يتعلق الأمر بالمياه الجوفية، التي تمثل مخزونا استراتيجيا يلجأ إليه السكان والفلاحون في فترات الجفاف. ويكمن الخطر في أن استنزاف الفرشة المائية لا يظهر دائما بصورة واضحة وفورية، ما يسمح باستمرار الضخ حتى عندما تتجاوز وتيرته قدرة المياه الجوفية على التجدد. وكلما طال الاستنزاف، ارتفعت كلفة استعادة التوازن، وقد تصل بعض الحالات إلى مستوى يصعب معه إصلاح الضرر.
ويحتاج تنظيم المياه الجوفية، لذلك، إلى أكثر من النصوص القانونية، إذ يتطلب مراقبة فعلية وتنسيقا بين المؤسسات وقدرة على تطبيق القيود حتى عندما تصطدم بمصالح اقتصادية قوية. فالتحدي الحقيقي لا يتمثل في إعلان حماية الفرشة المائية، وإنما في ضمان احترام قواعد الاستغلال على أرض الواقع، وتحديد ما يمكن ضخه وأين ومتى وبأي شروط.
وتحتل الفلاحة موقعا مركزيا في هذا النقاش، بسبب حجم احتياجاتها من المياه، وهو ما يجعل أي سياسة للأمن المائي مرتبطة بشكل مباشر بمراجعة الخيارات الزراعية. ولا يكفي توسيع استخدام الري بالتنقيط باعتباره تقنية أكثر كفاءة، لأن تحسين الكفاءة في الضيعة الواحدة قد يترافق أحيانا مع توسيع المساحات المزروعة أو زيادة الإنتاج، وبالتالي ارتفاع الاستهلاك الإجمالي للمياه.
ويطرح هذا الواقع سؤالا أكثر عمقا يتعلق بما ينبغي زراعته، وأين ينبغي زراعته، وبأي حجم من المياه. فليس من المنطقي النظر إلى جميع الأحواض المائية باعتبارها متساوية من حيث الموارد والقدرة على تحمل الاستغلال الزراعي. ولذلك يصبح من الضروري ربط السياسة الفلاحية بالقدرات المائية الفعلية لكل منطقة، بدلا من الفصل بين التخطيط الزراعي والتخطيط المائي.
ويعيد مفهوم الماء الافتراضي طرح هذه الإشكالية من زاوية أخرى، إذ يتعلق الأمر بكميات المياه التي تستهلك لإنتاج المنتجات الزراعية التي قد يتم توجيهها إلى الأسواق الخارجية. وهنا تبرز معادلة معقدة بين تحقيق مداخيل من الصادرات والحفاظ على الموارد المائية وضمان الأمن الغذائي. ولذلك فإن النقاش حول الزراعة التصديرية لا يمكن أن يبقى محصورا في حجم الأرباح أو فرص الشغل، بل ينبغي أن يشمل أيضا الكلفة المائية التي تتحملها الأحواض والموارد الطبيعية.
ويبدو أن جوهر التحدي الذي يواجه السياسة المائية في المغرب يكمن في ضرورة تحديد سقف واضح لاستهلاك المياه داخل كل حوض، وربط القرارات الاقتصادية بهذا السقف. فإذا كانت الموارد المتاحة محدودة، فإن التخطيط للمستقبل يجب أن يأخذ هذه الحدود باعتبارها عاملا أساسيا في تحديد المشاريع الزراعية والصناعية والعمرانية والسياحية التي يمكن تطويرها.
وتفرض هذه المقاربة أيضا تحديد أولويات واضحة خلال فترات الندرة، لأن المياه لا تكفي دائما لتلبية جميع الاستخدامات في الوقت نفسه. وعندما تشتد الأزمة، يصبح القرار المتعلق بمن يحصل على المياه أولا قرارا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وليس مجرد مسألة تقنية. فمياه الشرب تختلف في أولويتها عن بعض الاستخدامات الاقتصادية، كما أن حماية الأنظمة البيئية يجب ألا تختفي تماما من الحسابات المتعلقة بتوزيع الموارد.
وتبرز إعادة استعمال المياه العادمة كخيار يمكن أن يخفف الضغط على الموارد التقليدية، خصوصا في قطاعات يمكن فيها تعويض جزء من المياه العذبة بمياه معالجة. غير أن توسيع هذا الاستخدام يحتاج إلى إطار تنظيمي وتقني ومؤسساتي واضح، يضمن السلامة الصحية والبيئية ويحدد شروط الاستعمال، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالقطاع الفلاحي.
وتفرض كل هذه التحديات على البرامج الانتخابية الانتقال من لغة المشاريع إلى لغة النتائج. فالمواطن لا يحتاج فقط إلى معرفة عدد السدود التي سيتم بناؤها أو حجم المياه التي ستنتجها محطات التحلية، بل يحتاج إلى معرفة ما الذي سيتغير فعليا في حياته، وكيف ستتم حماية الموارد، وكيف سيتم الحد من الهدر، ومن سيحاسب عند عدم تحقيق الأهداف المعلنة.
وتكشف أزمة المياه في المغرب في النهاية أن المعركة المقبلة لن تكون فقط مع الجفاف، وإنما مع طريقة تدبير الندرة نفسها. فالموارد المائية يمكن تعزيزها عبر السدود والتحلية والربط بين الأحواض وإعادة استعمال المياه، لكن استدامة هذه الحلول ستظل محدودة إذا لم تترافق مع سياسة صارمة للتحكم في الطلب وحماية المياه الجوفية وإعادة النظر في بعض الاختيارات الزراعية.
ويحتاج المغرب، في ظل التحولات المناخية المتسارعة، إلى سياسة مائية تقوم على التخطيط لسيناريوهات أكثر جفافا بدل انتظار عودة الظروف المناخية السابقة. كما يحتاج إلى تقييم واضح لما تحقق من السياسات السابقة، وتحديد أسباب التعثر عندما يقع، وربط الوعود الجديدة بمؤشرات يمكن للمواطن متابعتها ومحاسبة المسؤولين على أساسها.
وتصبح الشجاعة السياسية، في هذا السياق، جزءا أساسيا من الحل، لأن معالجة أزمة المياه لا تعني فقط استثمار مليارات الدراهم في مشاريع جديدة، وإنما تعني أيضا اتخاذ قرارات قد تكون صعبة بشأن الزراعات، والاستهلاك، وتوزيع الموارد، واستغلال المياه الجوفية، وتسعير بعض الخدمات، وترتيب الأولويات. ومن دون هذه القرارات، قد تستمر البلاد في إنتاج المزيد من المياه، لكنها ستجد نفسها في كل مرة أمام طلب أكبر وموارد أكثر ضغطا، لتتحول أزمة الماء من مشكلة مؤقتة إلى معضلة دائمة.







