هجر إمغري
أعاد الباحث سعيد ناشيد النقاش حول الذكاء الاصطناعي إلى منطقة أكثر عمقا من حدود التكنولوجيا واستعمالاتها اليومية، بعدما اختار في كتابه الجديد «نقد العقل الخوارزمي: معرفة بلا فهم، وجعل مدجج بالمعلومات» أن يطرح سؤالا يتجاوز سرعة الآلات وقدرتها على إنتاج النصوص والصور والأجوبة، ليصل إلى الإنسان نفسه وقدرته على التفكير والفهم واتخاذ القرار في زمن أصبحت فيه الخوارزميات حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية.
ويضع الكتاب مسألة المعرفة في قلب التحولات التي فرضها الذكاء الاصطناعي، إذ لم يعد الوصول إلى المعلومة يمثل تحديا كبيرا كما كان في السابق، بعدما أصبحت الإجابات متاحة خلال ثوان قليلة، وأصبح بإمكان أي شخص الحصول على ملخص أو تحليل أو صياغة أو اقتراح بمجرد كتابة سؤال قصير. غير أن هذه الوفرة غير المسبوقة تفتح، في المقابل، بابا واسعا أمام سؤال أكثر إلحاحا يتعلق بما إذا كانت سهولة الحصول على المعلومات تعني بالضرورة امتلاك القدرة على فهمها.
ويحذر ناشيد من مفارقة تبدو واضحة في العصر الرقمي، فكلما ازدادت قدرة الإنسان على الوصول إلى المعلومات، برز خطر تراجع قدرته على تحويلها إلى معرفة حقيقية. فالفرق بين أن يعرف الإنسان إجابة جاهزة وأن يفهم أسبابها وسياقها ونتائجها يظل كبيرا، خصوصا عندما تتحول الأدوات الرقمية من وسائل مساعدة إلى بدائل كاملة عن الجهد الذهني الذي يفترض أن يبذله الفرد من أجل البحث والمقارنة والنقد والاستنتاج.
ويثير هذا التحول قلقا خاصا داخل المؤسسات التعليمية والبحثية، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي قادرا على إنتاج نصوص وأبحاث وصياغات متكاملة خلال وقت قصير. وبينما يمكن لهذه الأدوات أن تساعد الباحث والطالب والصحفي والكاتب على تنظيم الأفكار والوصول إلى المعطيات، فإن الاعتماد المفرط عليها قد يدفع نحو اختصار الطريق، والاستغناء تدريجيا عن مراحل القراءة والتحليل والمناقشة التي تصنع في الأصل شخصية الباحث وقدرته على إنتاج معرفة مستقلة.
ويذهب النقاش الذي يفتحه ناشيد إلى أبعد من مسألة الغش الأكاديمي أو استعمال الأدوات الرقمية في إنجاز البحوث، لأن القضية الأساسية ترتبط بطبيعة العلاقة الجديدة بين الإنسان والمعرفة. فعندما تصبح الآلة قادرة على الكتابة والتلخيص والشرح والاقتراح والإجابة، فإن السؤال لم يعد فقط حول ما تستطيع التكنولوجيا فعله، وإنما حول ما الذي سيبقى للإنسان كي يقوم به بنفسه.
ويكشف هذا السؤال عن تحول عميق في مفهوم المعرفة، بعدما انتقلت البشرية من زمن كان فيه الوصول إلى المعلومة يحتاج إلى البحث داخل الكتب والمكتبات والمراجع، إلى زمن أصبحت فيه المعلومات متاحة بكميات ضخمة وفي لحظات قليلة. لكن وفرة المعلومات لا تعني دائما وضوح الحقيقة، كما أن كثرة الإجابات لا تعني امتلاك القدرة على التمييز بين الإجابة الدقيقة والمعلومة المضللة أو الناقصة أو الخارجة عن سياقها.
ويضع الكتاب كذلك التفكير النقدي أمام اختبار جديد، لأن المستخدم الذي يتلقى الإجابة الجاهزة قد يجد نفسه مع مرور الوقت أقل حاجة إلى طرح الأسئلة بنفسه. وهنا يظهر الخطر الذي يلفت إليه ناشيد، إذ يمكن أن تتحول الراحة التي توفرها التكنولوجيا إلى نوع من الخمول الذهني، خصوصا عندما يعتاد الإنسان ترك مهمة التفكير للآلة بدلا من استخدامها كأداة توسع قدراته وتدفعه إلى مزيد من البحث.
وتتضاعف أهمية هذا النقاش في ظل الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي في الصحافة والتعليم والإدارة والبحث العلمي ومختلف المجالات المهنية. فقد أصبح بإمكان الأدوات الرقمية إنجاز مهام كانت تتطلب في السابق ساعات طويلة من العمل، وهو ما يفرض إعادة التفكير في طبيعة المهارات التي يحتاجها الإنسان في المستقبل. فالمشكلة لم تعد في القدرة على إنتاج النص أو الوصول إلى المعلومة، وإنما في امتلاك القدرة على مساءلتها وفهمها وربطها بالسياق وتحويلها إلى موقف أو معرفة ذات معنى.
ويعيد ناشيد من خلال كتابه الاعتبار إلى فكرة أساسية مفادها أن الإنسان لا يصبح أكثر معرفة بمجرد امتلاكه معلومات أكثر، لأن المعرفة الحقيقية تحتاج إلى الفهم والتجربة والنقد والقدرة على بناء العلاقات بين الأفكار. ومن هنا، فإن الخطر لا يكمن بالضرورة في وجود الذكاء الاصطناعي، بل في الطريقة التي يختار بها الإنسان التعامل معه، وهل سيستخدمه لتوسيع قدراته العقلية أم سيجعله بديلا عنها.
ويطرح الكتاب أيضا سؤالا فلسفيا حول مستقبل الذكاء البشري في ظل التطور المتسارع للخوارزميات. فإذا أصبحت الآلة قادرة على تقديم الإجابات وصياغة الأفكار واقتراح الحلول، فهل سيتفرغ الإنسان لأعمال أكثر إبداعا وتعقيدا، أم أنه سيفقد تدريجيا بعض المهارات التي كانت تشكل جوهر نشاطه العقلي؟ ويبدو أن الإجابة عن هذا السؤال لن تكون مرتبطة بالتكنولوجيا وحدها، وإنما بالاختيارات الإنسانية والأخلاقية والتعليمية التي ستحدد طريقة إدماج هذه الأدوات في الحياة.
ويحاول «نقد العقل الخوارزمي» لذلك أن يضع القارئ أمام مفارقة العصر الجديد: الإنسان يعيش في زمن لم يسبق أن توفرت فيه كل هذه الكمية من المعلومات، لكنه قد يجد نفسه في الوقت ذاته أمام صعوبة متزايدة في فهم عالم شديد التعقيد. فالوصول السريع إلى الإجابة قد يلغي أحيانا متعة البحث، والإجابة الجاهزة قد تختصر الطريق لكنها لا تمنح بالضرورة الفهم الذي يصنعه التفكير الشخصي.
ويحذر هذا الطرح من أن يتحول الذكاء الاصطناعي من وسيلة في يد الإنسان إلى سلطة غير مرئية توجه اختياراته اليومية، بدءا من المعلومات التي يقرأها وصولا إلى النصوص التي يكتبها والقرارات التي يتخذها. وكلما ازداد اعتماد الفرد على الاقتراحات الآلية، أصبحت الحاجة أكبر إلى الحفاظ على استقلالية الحكم البشري والقدرة على الشك والمراجعة والرفض.
ويفتح الكتاب، في النهاية، نقاشا يتجاوز الانبهار بالقدرات الهائلة للذكاء الاصطناعي، ليعيد الإنسان إلى مركز السؤال. فالتحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة لن يكون امتلاك أدوات أكثر ذكاء فقط، بل الحفاظ على إنسان قادر على استخدامها من دون أن يتخلى عن عقله. وبينما تتقدم الخوارزميات بسرعة كبيرة، يبقى السؤال الأكثر إلحاحا هو ما إذا كان الإنسان سيستخدم هذه الثورة لتطوير تفكيره، أم سيختار الطريق الأسهل ويترك للآلة مهمة التفكير نيابة عنه.







