دعا الاتحاد الوطني للتعليم الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر الجاري إلى التعامل مع قضايا التعليم بمنطق الالتزام السياسي القابل للتنفيذ، بدل الاكتفاء بإعادة إنتاج الوعود والشعارات التي تتكرر مع كل محطة انتخابية دون أن تجد طريقها بالضرورة إلى التطبيق.
وجاء موقف النقابة في تقرير يحمل توقيع كاتبها العام عز الدين إمامي، خصصته لمبادرة «الميثاق الانتخابي لقطاع التعليم 2026»، التي سبق أن وجهتها إلى الأحزاب السياسية في سياق الحملة الانتخابية، بهدف دفعها إلى تقديم مواقف واضحة من القضايا المرتبطة بالمدرسة العمومية ووضعية الشغيلة التعليمية.
ويرتكز الميثاق، وفق التصور النقابي، على فكرة أساسية مفادها أن الانتخابات التشريعية لا ينبغي أن تتحول إلى مناسبة لطرح وعود جديدة بمعزل عن تقييم ما سبق تقديمه من التزامات، خصوصا في قطاع يظل في صلب النقاش العمومي، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بملايين الأسر والتلاميذ والطلبة ونساء ورجال التعليم.
من الوعود الانتخابية إلى الالتزام القابل للمحاسبة
شدد الاتحاد الوطني للتعليم على أن فلسفة مبادرته تنطلق من رفض إبقاء المدرسة العمومية رهينة الخطابات العامة والوعود الظرفية، داعيا الأحزاب إلى الانتقال نحو التزامات محددة يمكن تتبعها ومساءلتها بشأنها خلال الولاية التشريعية المقبلة.
وأكد التقرير أن المعيار الحقيقي لجدية أي موقف سياسي لا يكمن في قوة الخطاب خلال الحملات الانتخابية، وإنما في مدى قدرته على التحول إلى مبادرات تشريعية وقرارات حكومية وإجراءات قابلة للتنفيذ على أرض الواقع.
ومن هذا المنطلق، يطالب الميثاق مختلف الهيئات السياسية التي تعلن تبنيها مطلبا معينا في قطاع التعليم بأن توثق موقفها منه بشكل واضح، وأن تكون مستعدة للدفاع عنه داخل المؤسسة التشريعية، أو العمل على تنزيله في حال مشاركتها في الحكومة المقبلة.
ويأتي هذا التوجه في وقت يتصدر فيه قطاع التعليم عددا من النقاشات الانتخابية، سواء تعلق الأمر بأوضاع الشغيلة التعليمية أو بجودة المدرسة العمومية أو بتمويل الإصلاح أو بتحسين الحكامة والموارد البشرية والبنيات التربوية.
الأستاذ ليس مجرد ناخب
ركز الاتحاد الوطني للتعليم أيضا على موقع نساء ورجال التعليم داخل العملية الانتخابية، معتبرا أن الشغيلة التعليمية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد كتلة انتخابية يُطلب منها التصويت يوم الاقتراع.
وأوضح أن الأستاذ موظف ومواطن تتأثر أوضاعه المهنية والاجتماعية مباشرة بالقوانين والميزانيات والاختيارات الحكومية التي تنتجها الانتخابات، وهو ما يجعل التعرف على مواقف الأحزاب وبرامجها تجاه قطاع التعليم جزءا أساسيا من اتخاذ القرار الانتخابي.
واختصر التقرير هذا التوجه في دعوة مباشرة إلى نساء ورجال التعليم تقوم على السؤال عن مواقف مختلف الأحزاب، والمقارنة بين التزاماتها، ثم تتبع ما سيتم تنفيذه بعد الانتخابات ومحاسبة القوى السياسية على حصيلتها.
وبذلك، تسعى المبادرة النقابية إلى ربط التصويت بالموقف من السياسات العمومية، بدل حصره في الشعارات أو الوعود العامة التي يصعب قياس مدى تنفيذها بعد انتهاء الحملة الانتخابية.
رفض وعود جديدة قبل تنفيذ الالتزامات السابقة
من أبرز النقاط التي شدد عليها التقرير رفض إطلاق التزامات جديدة دون تقييم مصير الالتزامات السابقة، وهي مسألة يرى الاتحاد الوطني للتعليم أنها أساسية لاستعادة الثقة في الخطاب السياسي الموجه إلى الشغيلة التعليمية.
ودعت النقابة الأحزاب إلى توضيح ما إذا كانت قد التزمت سابقا بمطالب تخص نساء ورجال التعليم، وما الذي تحقق منها، وما هي الأسباب التي حالت دون تنفيذ ما تبقى، قبل الانتقال إلى تقديم تعهدات إضافية خلال انتخابات 2026.
ويهدف هذا المنطق، بحسب مضامين التقرير، إلى جعل المسؤولية السياسية أكثر وضوحا، وإخراج ملفات التعليم من دائرة الوعود المتكررة إلى دائرة البرامج التي تتضمن التزامات قابلة للقياس والتقييم.
كما أكدت النقابة ضرورة أن يظل تعزيز مكانة المدرسة العمومية وإصلاح المنظومة التعليمية في صلب البرامج السياسية، بالنظر إلى الدور الذي يؤديه التعليم في التنمية الاجتماعية والاقتصادية وفي ضمان تكافؤ الفرص.
دعوة الأحزاب إلى إعلان مواقفها
وسجل الاتحاد الوطني للتعليم مؤشرات وصفها بالإيجابية بشأن تفاعل عدد من الأحزاب مع «الميثاق الانتخابي لقطاع التعليم 2026»، معتبرا أن هذا التفاعل يمكن أن يشكل مدخلا لوضع الملفات التعليمية في قلب النقاش السياسي خلال الحملة الانتخابية.
لكن النقابة أوضحت في المقابل أن نجاح المبادرة لا يمكن قياسه فقط بعدد الأحزاب التي تتفاعل معها أو تعلن دعمها لمطالبها، بل بمدى انتقال تلك المواقف من مستوى التصريحات إلى الالتزام السياسي ثم الترافع داخل المؤسسات وصولا إلى اتخاذ القرار والتنفيذ.
كما أبقت الباب مفتوحا أمام القوى السياسية التي لم تعلن بعد مواقفها من الميثاق، داعية إياها إلى تقديم تصوراتها تجاه مستقبل التعليم ووضعية الشغيلة التعليمية قبل موعد الاقتراع.
ويراهن الاتحاد الوطني للتعليم من خلال هذه الخطوة على تحويل الحملة الانتخابية إلى مناسبة لطرح أسئلة أكثر دقة حول مستقبل القطاع، تتجاوز العناوين العامة إلى قضايا يمكن للناخبين تتبعها بعد تشكيل البرلمان والحكومة الجديدين.
التعليم في قلب رهانات المرحلة المقبلة
وتعكس المبادرة النقابية اتجاها نحو رفع مستوى المحاسبة السياسية في ملف التعليم، خاصة أن القطاع يرتبط بعدد من القضايا التي ظلت حاضرة بقوة في النقاش العمومي خلال السنوات الأخيرة.
فإلى جانب الوضعية المهنية والاجتماعية لنساء ورجال التعليم، يظل النقاش مفتوحا بشأن جودة التعلمات، ومحاربة الهدر المدرسي، وتأهيل المؤسسات التعليمية، وتحسين الحكامة، وتعزيز جاذبية مهنة التدريس، وهي ملفات يفترض أن تحضر بدرجات متفاوتة في برامج الأحزاب المتنافسة.
ومع اقتراب موعد انتخابات 23 شتنبر، يسعى الاتحاد الوطني للتعليم إلى دفع النقاش من منطق الوعود العامة إلى منطق التعهد السياسي الموثق، بما يسمح للشغيلة التعليمية والناخبين عموما بمقارنة مواقف الأحزاب وتتبعها بعد انتهاء الاستحقاقات.
وبهذا الطرح، تضع النقابة قطاع التعليم أمام اختبار انتخابي لا يرتبط فقط بما ستقوله الأحزاب خلال الحملة، وإنما بما ستكون مستعدة فعليا للدفاع عنه داخل البرلمان وتنفيذه في حال وصولها إلى موقع المسؤولية.








