إعلان
980×90
مساحة إعلانية
ثقافة و تراث

صالون الفنون التشكيلية بفاس يحتفي بمواهب الغد

18:30 · 14/09/2026

هجر إمغري

احتضنت مدينة فاس، مساء السبت، افتتاح الدورة الرابعة عشرة من صالون المغرب للفنون التشكيلية، في موعد ثقافي يضع الإبداع الشبابي في صدارة المشهد، ويفتح أمام المواهب الصاعدة مساحة لعرض أعمالها والتعريف بتجاربها الفنية أمام الجمهور والمهتمين والنقاد.

واستقبل رواق محمد القاسمي فعاليات الافتتاح وسط حضور فني وثقافي، حيث شكلت الدورة الجديدة مناسبة لإبراز تجارب مختلفة في مجال الفنون التشكيلية، وربط الأجيال الصاعدة بمحيطها الفني، من خلال أعمال تعكس تعدد الرؤى واختلاف الأساليب والبحث المستمر عن أشكال جديدة للتعبير.

ويحمل هذا الموعد الفني شعار “من دفتر الرسم إلى التعبير الفني”، في إشارة إلى الرحلة التي يقطعها الفنان منذ اللحظة الأولى التي تتشكل فيها الفكرة داخل دفتر الرسم، وصولا إلى العمل الفني الذي يكتسب مع مرور الوقت ملامحه الجمالية والفكرية ويصبح قادرا على التواصل مع المتلقي.

ويمنح هذا التصور للصالون بعدا يتجاوز مجرد عرض اللوحات والمنحوتات، إذ يسلط الضوء على المراحل غير المرئية التي تسبق ولادة العمل الفني، وعلى التجارب الأولية التي يبدأ منها الفنان في بناء لغته الخاصة، قبل أن تتطور الخطوط والأفكار والتصورات إلى أعمال مكتملة تحمل اختيارات جمالية وفنية واضحة.

ويجمع المعرض الجماعي المقام ضمن هذه الدورة أعمالا تنتمي إلى مجالات متنوعة، من الرسم والنحت إلى الخزف والخط العربي وفن التركيب، بما يعكس اتساع مساحة التعبير داخل الفن التشكيلي المعاصر، ويكشف في الوقت نفسه عن اختلاف الخلفيات والتجارب التي يحملها المشاركون.

ويعكس هذا التنوع رغبة واضحة في منح الشباب فرصة الظهور داخل فضاء احترافي، خصوصا أن كثيرا من التجارب الفنية الجديدة تحتاج إلى منصات تساعدها على الوصول إلى الجمهور وتمنح أصحابها إمكانية الاحتكاك بالفنانين والنقاد والمتابعين للحركة التشكيلية.

ويضع الصالون كذلك مسألة اكتشاف المواهب في قلب برنامجه، من خلال تنظيم مسابقة موجهة إلى الشباب، تروم إبراز الطاقات الجديدة وتشجيعها على مواصلة مسارها الفني، إلى جانب منح الفائزين فرصة الاعتراف بتجاربهم ضمن تظاهرة تجمع أسماء ومسارات فنية متعددة.

ويؤكد منظمو الدورة أن الاهتمام بالفنانين الشباب لا يرتبط فقط بعرض أعمالهم، وإنما يمتد إلى توفير شروط تساعدهم على تطوير تجاربهم، والتفاعل المباشر مع الجمهور، وتقديم تصوراتهم ومقارباتهم الفنية أمام المهتمين بالشأن التشكيلي.

ويحضر البعد الوطني بقوة في هذه الدورة من خلال تنوع المناطق التي جاءت منها التجارب المشاركة، وهو ما يمنح المعرض صورة عن غنى المشهد التشكيلي المغربي وتعدد روافده، ويؤكد أن الإبداع لا يرتبط بمركز جغرافي واحد، بل يمكن أن ينطلق من مدن ومناطق مختلفة ليجد طريقه نحو فضاءات العرض.

وتبرز ضمن المشاركات تجربة الفنانة التشكيلية نجاة داود القادمة من منطقة الوطية بإقليم طانطان، والتي تقدم عملا فنيا يحمل عنوان “كحلة”، يستحضر عالم المرأة المسنة ويرتبط بنمط الحياة البدوية، في محاولة لاستعادة تفاصيل من الذاكرة المحلية وتحويلها إلى مادة بصرية قابلة للتأمل والقراءة.

وتفتح هذه المشاركة بدورها النقاش حول قدرة الفن التشكيلي على الاحتفاظ بذاكرة الأماكن والمجتمعات، وتحويل التفاصيل اليومية والعادات وأنماط العيش إلى أعمال فنية تحمل أبعادا إنسانية وثقافية، بما يجعل اللوحة فضاء لحفظ الذاكرة وليس مجرد مساحة للألوان والأشكال.

وتتسع دائرة التجارب المشاركة لتشمل أيضا الفنانة التشكيلية الأوكرانية إيرينا غريتسينكو، المقيمة بمدينة فاس، والتي حضرت بصفتها ضيفة شرف على الدورة، مؤكدة أهمية التنوع الذي يميز الأعمال المعروضة واختلاف المقاربات التي تجمعها التظاهرة.

وتكشف مشاركة غريتسينكو عن طبيعة خاصة للصالون، إذ لا يقتصر على تقديم أعمال تنتمي إلى تجربة فنية واحدة، بل يتيح التقاء تجارب مختلفة، بعضها قطع شوطا كبيرا في النضج، وبعضها الآخر لا يزال في مرحلة البحث والتجريب، وهو ما يمنح المعرض حيوية قائمة على التفاعل بين الخبرات والبدايات.

وتبرز الفنانة الأوكرانية، التي درست الهندسة المعمارية، ارتباطها الخاص بمدينة فاس، معتبرة أن المدينة العتيقة تشكل مصدرا متجددا للإلهام في تجربتها الفنية، بما تختزنه من تفاصيل عمرانية وذاكرة جماعية وتراكم تاريخي يجعل المكان عنصرا حاضرا في عملية الإبداع.

ويمنح حضور المدينة العتيقة داخل هذه التجربة الفنية بعدا إضافيا للتظاهرة، ففاس لا تظهر فقط باعتبارها فضاء يحتضن المعرض، وإنما تتحول إلى عنصر مؤثر في المخيلة الفنية، بما توفره من أشكال وفضاءات وطبقات تاريخية قادرة على إنتاج أسئلة بصرية وفكرية متجددة.

وتواصل برنامج الدورة يوم الأحد بالمركز الثقافي نجوم فاس المدينة، حيث خصص جانب من الفعاليات للمعرض الفردي للفنانة إيرينا غريتسينكو، التي قدمت أحدث مجموعاتها الفنية، في امتداد للبرنامج الذي يجمع بين العرض الجماعي والتجارب الفردية.

ويمنح هذا التعدد في أشكال العرض للزائر فرصة الانتقال بين تجارب مختلفة، من الأعمال الجماعية التي تكشف تنوع المشهد التشكيلي، إلى المعرض الفردي الذي يسمح بالتوقف بشكل أعمق عند عالم فني خاص ومسار إبداعي له لغته وموضوعاته ومرجعياته.

ويختتم البرنامج بحفل رسمي لتوزيع الجوائز الشرفية والتقديرية على الشباب الفائزين في المسابقات الفنية، في لحظة تسعى إلى تثمين جهود المشاركين وتحفيزهم على مواصلة البحث والتجريب، وتحويل المشاركة في الصالون إلى خطوة جديدة ضمن مسارهم الفني.

ويكرس صالون المغرب للفنون التشكيلية بفاس، من خلال هذه الدورة، موقعه كفضاء يراهن على الطاقات الجديدة ويمنحها فرصة للظهور والتفاعل، في وقت أصبحت فيه الحاجة إلى منصات ثقافية تحتضن التجارب الشابة أكثر إلحاحا، خاصة بالنسبة إلى الفنانين الذين لا تزال أسماؤهم في طور التشكل داخل الساحة الفنية.

ويؤكد الحدث في مجمله أن دفتر الرسم، بما يحمله من خطوط أولية وأفكار غير مكتملة، يمكن أن يكون بداية لمسار إبداعي طويل، وأن الأعمال التي تبدو بسيطة في مراحلها الأولى قد تتحول مع الممارسة والتجربة إلى مشاريع فنية تحمل رؤى خاصة وتفتح أمام أصحابها آفاقا جديدة داخل المشهد التشكيلي المغربي.