إعلان
980×90
مساحة إعلانية
ثقافة و تراث

محمد شفيق.. مئة عام من الوفاء للغة وهوية المغرب

18:30 · 15/09/2026

هجر إمغري

يحتفي المغرب بمئوية محمد شفيق، أحد أبرز الوجوه العلمية والثقافية التي ارتبط اسمها بالدفاع عن اللغة الأمازيغية وتعزيز حضورها في الحياة الثقافية والتعليمية والفكرية، بعدما امتدت مسيرته لعقود طويلة جعلت منه شاهدا وفاعلا في تحولات عميقة عرفها النقاش حول الهوية واللغة والثقافة الوطنية.

يستعيد اسم محمد شفيق، مع بلوغه مئة عام، مسارا استثنائيا جمع بين البحث والتأليف والتدريس والعمل المؤسساتي، حيث لم يكتف الرجل بتوثيق جوانب من الثقافة الأمازيغية، بل انشغل كذلك بالعلاقات التاريخية واللغوية التي ربطتها بالعربية المغربية، محاولا تقديم قراءة تعتبر التنوع اللغوي والثقافي جزءا من تركيب المجتمع المغربي وليس سببا للتباعد أو الانقسام.

وولد محمد شفيق في السابع عشر من شتنبر سنة 1926 في نواحي صفرو، قبل أن يبدأ مسارا علميا ومهنيا امتد إلى مجالات متعددة، ويترك خلاله عددا من المؤلفات التي أصبحت حاضرة في النقاش المتعلق بالأمازيغية والعربية والتاريخ والهوية. ومن بين أبرز أعماله المعجم العربي الأمازيغي في ثلاثة أجزاء، وكتاب الدارجة المغربية مجال توارد بين الأمازيغية والعربية، إضافة إلى مؤلف لمحة عن ثلاثة وثلاثين قرنا من تاريخ الأمازيغيين.

واكب شفيق كذلك مراحل مهمة من تطور المؤسسات المرتبطة باللغة والثقافة في المغرب، إذ كان أول عميد للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، كما كان عضوا في أكاديمية المملكة المغربية، وتولى مسؤوليات في المجال التعليمي، من بينها الإشراف على المدرسة المولوية، حيث درس اللغة العربية وكان من بين الأساتذة الذين قاموا بتدريس الملك محمد السادس خلال فترة ولي العهد.

واختار شفيق منذ سنوات مبكرة من مشروعه الفكري أن يضع مسألة الأمازيغية في قلب النقاش حول الهوية المغربية، معتبرا أن التعامل معها لا ينبغي أن يبقى محصورا في الجانب اللغوي، بل يتعين أن يمتد إلى التاريخ والتعليم والتنمية والسياسة والثقافة. وفي كتابه البيان الأمازيغي، قدم مجموعة من الأفكار التي دعا من خلالها إلى الاعتراف بالأمازيغية باعتبارها قضية وطنية، وإلى تجاوز ما اعتبره تهميشا طال جوانب من حضورها في الحياة العامة.

ودعا الرجل في هذا السياق إلى توسيع الحوار الوطني حول الهوية واللغات، وإلى تعزيز حضور الأمازيغية داخل المؤسسات التعليمية، فضلا عن الاهتمام بالمناطق الناطقة بها من خلال سياسات تنموية تستجيب لحاجاتها. كما طرح ضرورة إعادة النظر في الطريقة التي يدرس بها تاريخ المغرب، مقترحا إسناد وضع البرامج التاريخية إلى لجنة علمية وطنية ذات مستوى عال، بما يضمن تقديم صورة أكثر اتساعا عن تاريخ البلاد ومكوناته.

وأكد شفيق في رؤيته للهوية المغربية أن الاعتزاز بالأمازيغية لا يتناقض مع الانتماء العربي، كما أن الدفاع عن العربية لا يفترض إقصاء الأمازيغية، بل إن اللغتين تشكلان في نظره جزءا من مسار تاريخي وثقافي طويل. ومن هذا المنطلق، انتقد النظرة التي تجعل تعدد اللغات سببا للتفرقة، معتبرا أن المشكلة لا تكمن في التعدد نفسه، وإنما في غياب النضج الحضاري القادر على تدبير هذا التنوع.

وانتقل اهتمامه كذلك إلى اللغة العربية، التي تعامل معها باعتبارها مكونا راسخا في الثقافة المغربية، مؤكدا أن المغاربة الأمازيغ ساهموا عبر التاريخ في خدمتها وإنتاج المعرفة بها. لذلك لم يقدم العلاقة بين العربية والأمازيغية باعتبارها علاقة صراع، بل حاول البحث في مساحات التفاعل والتأثير المتبادل التي تشكلت عبر قرون من التعايش داخل المجال المغربي.

وكشف المعجم العربي الأمازيغي عن جانب آخر من هذا المشروع، إذ حاول محمد شفيق من خلاله الاقتراب من الكلمات والأسماء المتداولة في الحياة اليومية المغربية، والبحث عن جذورها ومعانيها، مبرزا أن جزءا من المفردات التي يستخدمها المغاربة بشكل طبيعي يحمل آثارا واضحة من التفاعل بين الأمازيغية والعربية.

وتوقف شفيق عند كلمات وأسماء أماكن كثيرة، معتبرا أن معرفة أصولها الأمازيغية يمكن أن تمنح المغاربة فهما أعمق لجغرافية بلادهم وتاريخها. ومن بين الأمثلة التي تناولها أسماء مثل أكادير وأسفي وأزمور وتطوان وأزرو وإفران وإموزار وتاوريرت وأكلميم وتامسامان وتافيلالت وغيرها، وهي أسماء أصبحت جزءا من الذاكرة الجغرافية للمغرب، لكنها تحمل في الوقت نفسه دلالات لغوية وتاريخية مرتبطة بالمجال الأمازيغي.

وسعى من خلال هذا العمل إلى تقريب المغاربة من جذورهم الثقافية، معتبرا أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، وإنما وعاء للذاكرة والتاريخ والهوية. لذلك جاء اشتغاله على المعجم في سياق محاولة أوسع لإعادة اكتشاف العناصر التي ساهمت في تشكيل الثقافة المغربية عبر الزمن.

وامتد هذا الاهتمام إلى الدارجة المغربية، التي درسها شفيق باعتبارها مجالا غنيا للتداخل بين العربية والأمازيغية. ورأى أن العامية المغربية تحمل بنية مركبة تشكلت نتيجة تفاعل طويل بين اللغتين، وهو ما يفسر وجود عدد كبير من الكلمات ذات الأصول الأمازيغية داخل الاستعمال اليومي للمغاربة، إلى جانب حضور واسع للمفردات العربية.

وأبرزت أبحاثه في هذا المجال كلمات متداولة في الحياة اليومية، مثل الببوش والفكرون والبرنوص وأكناو والقيطون وواخا وغيرها، محاولا تتبع أصولها ودلالاتها وتحولاتها داخل الاستعمال المغربي. وبذلك تحول الاشتغال على الدارجة لديه إلى وسيلة لفهم جانب من تاريخ المجتمع المغربي من خلال اللغة نفسها.

وفتح هذا المنظور أيضا الباب أمام قراءة مختلفة للتاريخ، إذ دافع شفيق عن مفهوم تاريخ الأرض بدلا من اختزال التاريخ في مفهوم تاريخ العرق، في محاولة لتجاوز القراءات التي تجعل الانتماء إلى أصل معين معيارا وحيدا لفهم المجتمعات والهويات. واعتبر أن المجال المغربي تشكل عبر تراكمات بشرية وثقافية ولغوية متعددة، وأن فهمه يحتاج إلى النظر في هذا التفاعل الطويل.

وخصص شفيق جزءا مهما من مشروعه لتعليم الأمازيغية، من خلال كتاب أربعة وأربعون درسا في اللغة الأمازيغية، وهو مؤلف يمتد على أكثر من ثلاثمائة صفحة ويجمع بين دروس الكتابة والقراءة والصرف والتدريبات، في محاولة لتقديم مادة تعليمية تساعد الراغبين في تعلم اللغة على اكتساب أدواتها بصورة تدريجية.

وشدد في هذا العمل على أن الرغبة في التعلم تمثل نقطة الانطلاق الأساسية، لأن المتعلم الذي يحمل حكما سلبيا مسبقا تجاه اللغة لن يستطيع الانفتاح عليها بالشكل المطلوب. لذلك دعا إلى التعامل مع الأمازيغية باعتبارها لغة قائمة بذاتها، لها نظامها وقواعدها وخصوصياتها، مثل باقي اللغات، بعيدا عن الأحكام الجاهزة والنظرات المسبقة.

وتتجاوز قيمة تجربة محمد شفيق، بهذا المعنى، عدد الكتب التي ألفها أو المناصب التي شغلها، لتصل إلى طبيعة الأسئلة التي طرحها حول المغرب ولغاته وتاريخه. فقد حاول أن يجعل من اللغة مدخلا لفهم المجتمع، ومن الثقافة وسيلة لاستعادة الذاكرة، ومن التعدد عاملا من عوامل الغنى بدل تحويله إلى مصدر للصراع.

ويحضر اسم محمد شفيق اليوم في سياق مئويته باعتباره أحد المثقفين الذين تركوا بصمة واضحة في مسار النقاش حول الأمازيغية داخل المغرب، خصوصا أن كثيرا من القضايا التي تناولها في مؤلفاته أصبحت جزءا من النقاش العمومي المعاصر حول الهوية واللغة والتعليم والتاريخ.

ويؤكد هذا الإرث أن مسيرة الرجل لم تكن مجرد رحلة أكاديمية في البحث والتأليف، بل كانت أيضا محاولة مستمرة لإعادة ترتيب العلاقة التي تربط المغاربة بلغاتهم وتاريخهم وذاكرتهم. وبين المعجم والتاريخ والدارجة والتعليم، ظل مشروع محمد شفيق قائما على فكرة أساسية مفادها أن معرفة المغرب لا تكتمل من دون معرفة مكوناته اللغوية والثقافية، وأن المصالحة مع الذاكرة تظل مدخلا ضروريا لفهم الحاضر وبناء المستقبل.