ياسر الرقاص
في رسالة دبلوماسية مكثفة تعكس حجم الانخراط الأميركي في ترتيبات المشهد اللبناني، وضعت واشنطن خارطة طريق سياسية واضحة لمعالجة أحد أكثر الملفات الإقليمية تعقيدا.
فقد قطعت السفارة الأميركية في بيروت الشك باليقين حيال موقف بلادها من التصعيد المستمر، معلنة التزامها الصارم بمواصلة العمل الحثيث مع كافة الأطراف المعنية، بهدف إرساء دعائم الأمن وتحويل منطقة جنوب لبنان إلى مساحة جغرافية تنعم بالاستقرار المستدام.
ولا يمكن قراءة هذا التصريح المقتضب والموجه بمعزل عن الدينامية الميدانية التي تفرض نفسها على طول “الخط الأزرق”، فالتحرك الأميركي، الذي تدير خيوطه السفارة انطلاقا من منطقة عوكر، يأتي في لحظة مفصلية تتأرجح فيها الجبهة الجنوبية بين سيناريوهات الانزلاق نحو حرب شاملة ومحاولات جادة للجم التصعيد.
وتدرك الدوائر السياسية أن عبارة “جميع الأطراف المعنية” التي اعتمدتها الدبلوماسية الأميركية، تحمل إشارات مبطنة وواضحة لضرورة إشراك مؤسسات الدولة اللبنانية، وتحديدا المؤسسة العسكرية، كضامن أساسي لعدم بقاء الجنوب مرتهنا لمعادلات الصراع الإقليمي المفتوح، أو خاضعا لهيمنة التشكيلات المسلحة الخارجة عن الإجماع السيادي.
مظلة القرار 1701.. من تبريد الجبهات إلى الاستقرار المستدام
عمليا، تتقاطع هذه الرؤية الأميركية مع الجهود الدولية الرامية إلى إعادة إنعاش قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، والذي ولد من رحم حرب صيف 2006، فالمقاربة التي تدفع بها واشنطن اليوم تتجاوز مفهوم “الهدنة المؤقتة”.
لتسعى نحو هندسة بيئة أمنية صارمة تضمن انسحاب المظاهر المسلحة غير الشرعية إلى ما وراء نهر الليطاني، وتدعم الانتشار الفعلي للجيش اللبناني جنبا إلى جنب مع قوات حفظ السلام الدولية (اليونيفيل).
هذا التوجه تعزز في الآونة الأخيرة عبر سلسلة من المواقف المتواترة للدبلوماسية الأميركية، والتي أكدت صراحة أن قرار السلم والحرب يجب أن يعود لحضن الدولة اللبنانية حصرا، مستندة في ذلك إلى تحركات مكثفة داخل أروقة مجلس الأمن لرسم ملامح المرحلة المقبلة للحدود الجنوبية.
تضع هذه المعطيات الدبلوماسية الكرة في ملعب التوازنات الداخلية في بيروت، الولايات المتحدة، ومن خلال تعهدها المفتوح بـ”توفير الدعم ليصبح الجنوب أكثر أمانا”، تمرر رسالة حازمة مفادها أن أي استقرار دولي منشود يتطلب إرادة سياسية محلية قادرة على تحمل مسؤولياتها أمام المجتمع الدولي.
وبانتظار تبلور نتائج حركة الموفدين والمفاوضات الشاقة، يبقى مصير الجنوب اللبناني معلقا بين دوي المدافع، والمساعي الدولية الهادفة إلى سحب فتيل أزمة قد تعيد تشكيل الخارطة الجيوسياسية للمنطق





