كوثر بوجوال
تحولت مدينة ابن جرير إلى فضاء للنقاش حول مستقبل حضور النساء داخل الأنظمة الزراعية والغذائية، مع انطلاق لقاء دولي، الثلاثاء 15 شتنبر 2026، يركز على الانتقال بالمرأة من موقع المستفيدة من برامج التنمية الفلاحية إلى فاعلة اقتصادية تشارك في الإنتاج وخلق القيمة واتخاذ القرار.
وينظم اللقاء على مدى ثلاثة أيام بمناسبة السنة الدولية للمزارعات، تحت شعار “حيث تقود النساء، تتحول الأنظمة الغذائية”، بمشاركة مزارعات وعلماء ومقاولين وخبراء وفاعلين عموميين ومؤسسات دولية وهيئات تمويل وممثلين عن منظمات تعمل في مجال التنمية الفلاحية.
وتضع هذه التظاهرة قضية إدماج النساء في صلب التحولات التي تعرفها الزراعة والأنظمة الغذائية، مع التركيز على مجموعة من التحديات المرتبطة بالوصول إلى الأسواق والتمويل والتكنولوجيا والمعلومات والخدمات الاستشارية، إلى جانب البحث عن آليات تساعد على توسيع الحلول الناجحة وتحويلها إلى نماذج قابلة للتطبيق على نطاق أوسع.
التعاونيات بوابة لتعزيز الريادة الاقتصادية للنساء
ركزت صابرة مشروحي، رئيسة قسم تنمية القطاع التعاوني بمكتب تنمية التعاون، على المكانة التي يمكن أن تضطلع بها التعاونيات في تعزيز الريادة الاقتصادية للنساء، مشددة على ضرورة تثمين مساهمتهن بصورة أفضل داخل سلاسل القيمة الزراعية والاقتصاد الاجتماعي.
ولا يرتبط تطوير التعاونيات النسائية بالإنتاج وحده، إذ يظل الوصول إلى الأسواق والتمويل والمعلومات والخدمات المختلفة من العوامل المؤثرة في قدرتها على الاستمرار وخلق قيمة اقتصادية أكبر.
ومن هذا المنطلق، تبرز المواكبة باعتبارها حلقة أساسية لتمكين التعاونيات من تجاوز مرحلة الإنتاج إلى بناء أنشطة أكثر استدامة، قادرة على تحسين فرص تسويق المنتجات والوصول إلى التمويل والاستفادة من الأدوات والخدمات التي يوفرها التحول الرقمي.
الابتكار والشراكات لدعم المزارعات
بدوره، سلط هاري شوير، مسؤول قسم الشراكات الاستراتيجية في مسرع الابتكار التابع لبرنامج الأغذية العالمي، الضوء على دور الشراكات والابتكار في إيجاد حلول تتلاءم مع الواقع الذي تعيشه النساء العاملات في الأنظمة الزراعية والغذائية.
وأكد في هذا السياق أهمية التقريب بين المؤسسات والمجتمعات المحلية والفاعلين في مجال الابتكار، بما يسمح بتحويل الحلول المتاحة إلى أدوات قابلة للاستخدام ميدانيا، ثم توسيع نطاق تطبيقها.
ويكتسب هذا التوجه أهمية في ظل التحدي المرتبط بالفجوة التي قد تفصل بين تطوير الحلول التقنية أو العلمية وبين قدرة المزارعات على الوصول إليها واعتمادها في أنشطتهن اليومية.
الفاو تدعو إلى وضع النساء في صلب السياسات الزراعية
من جانبه، أكد ديفيد لابورد، مدير قسم اقتصاد النظم الزراعية والغذائية بمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة “الفاو”، أهمية وضع النساء في صلب السياسات والاستراتيجيات الهادفة إلى تعزيز الأمن الغذائي وقدرة الأنظمة الزراعية والغذائية على الصمود.
وأشار إلى ضرورة مراعاة العوائق التي تواجهها النساء، خصوصا في ما يتعلق بالحصول على الموارد الإنتاجية والتمويل والتكنولوجيا والمعلومات وخدمات الإرشاد الفلاحي.
ويعني ذلك أن توسيع مشاركة المرأة في القطاع الفلاحي يتطلب معالجة مجموعة مترابطة من التحديات، بدل الاقتصار على برامج منفصلة لا تراعي مختلف مراحل سلسلة الإنتاج، بدءا من الوصول إلى الموارد وصولا إلى التسويق وخلق القيمة.
الرقمنة والبيانات تدخلان معادلة التحول الزراعي
شكلت العلوم والبيانات والرقمنة والتكنولوجيات الحديثة محورا أساسيا في المناقشات، في ظل البحث عن الوسائل التي يمكن من خلالها تحسين ظروف الإنتاج ورفع قدرة المزارعات على مواجهة التحولات التي تعرفها الأنظمة الزراعية والغذائية.
ويتمثل أحد الرهانات المطروحة في الانتقال من إثبات نجاح الحلول في نطاق محدود إلى تحديد الظروف الضرورية لتكييفها وإعادة إنتاجها وتوسيع نطاق استخدامها.
كما شدد المشاركون على ضرورة تجاوز المقاربة التي تجعل النساء مجرد مستفيدات من الحلول والبرامج، نحو نموذج يقوم على التبني الفعلي لهذه الأدوات والمشاركة في خلق القيمة، من خلال الاستشارة الملائمة وتعزيز القدرات والابتكار والوسائل الرقمية.
من التجارب المحدودة إلى حلول قابلة للتعميم
خصص اليوم الأول من اللقاء لجلستين عامتين تناولتا ريادة المزارعات وأثرها الاقتصادي، إلى جانب دور العلوم والبيانات والابتكار في دعم النساء العاملات في القطاع الزراعي، فيما ناقشت ثلاث ورشات متخصصة إشكاليات عملية مرتبطة بالتحول الزراعي.
أما اليوم الثاني، فيركز على الشروط الضرورية للانتقال من النماذج التجريبية إلى تطبيق الحلول على نطاق أوسع، إلى جانب جلسة لتقديم العرض الافتتاحي لخارطة طريق منظمة الأغذية والزراعة العالمية في المغرب، ومناقشة دور السياسات العمومية والشراكات في دعم التحول.
ويختتم البرنامج في يومه الثالث بزيارة ميدانية إلى إقليم الرحامنة، تسمح للمشاركين بالاطلاع على نماذج للاستشارة والمواكبة الفلاحية، فضلا عن زيارة تعاونيات نسائية تستفيد من دعم برنامج “المثمر” التابع لمجموعة المكتب الشريف للفوسفاط.
ويعكس تنوع المشاركين ومحاور اللقاء توجها نحو الجمع بين البحث العلمي والعمل الميداني والسياسات العمومية والتمويل والابتكار، بهدف البحث عن حلول تستجيب بصورة أكبر لواقع المزارعات. ويظل التحدي المطروح هو تحويل هذه النقاشات والتجارب إلى أدوات عملية قابلة للتوسع، بما يعزز مشاركة النساء في سلاسل القيمة ويقوي حضورهن الاقتصادي داخل الأنظمة الزراعية والغذائية.








