هجر إمغري
يرسم الاقتصاد المغربي ملامح سنة 2027 وسط مجموعة من الفرضيات المتباينة التي تجعل مسار النمو مرتبطا بعدة عوامل داخلية وخارجية، في مقدمتها أداء القطاع الفلاحي، وتطور أسعار النفط، وحيوية الأسواق الدولية، إلى جانب قدرة القطاعات الصناعية والتصديرية على الحفاظ على نسقها خلال المرحلة المقبلة. وبينما تبدو التقديرات الرسمية أكثر تفاؤلا، تكشف توقعات مؤسسات اقتصادية أخرى عن هامش واسع من الحذر، بما يعكس صعوبة بناء رقم نهائي للنمو في ظل متغيرات يصعب التحكم فيها.
وتضع التوقعات الحكومية نسبة نمو في حدود 4.1 في المائة خلال سنة 2027، وهي النسبة التي بنيت عليها الفرضيات الماكرو-اقتصادية المرتبطة بمشروع قانون المالية للسنة المقبلة. وفي المقابل، تختلف تقديرات المؤسسات الأخرى، إذ تتوقع المندوبية السامية للتخطيط نموا في حدود 3 في المائة، بينما ترفع منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية سقف توقعاتها إلى 3.9 في المائة، في حين يقدر بنك المغرب النمو المرتقب بنحو 3.1 في المائة، مقابل توقع يصل إلى 4.5 في المائة وفق تقديرات صندوق النقد الدولي.
وتعكس هذه الفوارق في الأرقام أكثر من مجرد اختلاف حسابي بين المؤسسات، فهي تكشف عن تعدد الفرضيات التي ينطلق منها كل طرف في قراءة مستقبل الاقتصاد المغربي. فالنمو لا يتحدد فقط بحجم الاستثمارات أو تطور الإنتاج الصناعي، وإنما يتأثر كذلك بالظروف المناخية، وحركة الطلب الخارجي، وأسعار الطاقة، وأداء الشركاء التجاريين، إضافة إلى التحولات التي يعرفها الاقتصاد العالمي.
ويبرز القطاع الفلاحي في صدارة العوامل التي يمكن أن تحدد مستوى النمو خلال السنة المقبلة، خصوصا أن النشاط الزراعي يظل شديد الارتباط بالتساقطات المطرية وبحجم المحاصيل، وعلى رأسها الحبوب. وتفترض التقديرات الحكومية إمكانية تحقيق إنتاج يصل إلى نحو 70 مليون قنطار من الحبوب، وهو مستوى يقارب 70 في المائة من إنتاج أفضل المواسم الفلاحية التي عرفها المغرب خلال السنوات المطيرة.
ويفتح هذا الافتراض نقاشا واسعا حول مدى واقعية ربط معدل النمو المتوقع بأداء موسم فلاحي لم تتضح جميع ملامحه بعد. فالموسم الزراعي يمكن أن يشكل دفعة قوية للناتج الداخلي الإجمالي في حال تحسنت التساقطات وارتفعت المردودية، لكنه قد يتحول في الاتجاه المعاكس إذا عادت الظروف المناخية الصعبة، خصوصا في ظل توالي فترات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة خلال السنوات الأخيرة.
ويزداد هذا العامل أهمية مع التحولات المناخية التي أصبحت تفرض نفسها على الاقتصاد المغربي، إذ لم يعد القطاع الفلاحي يتعامل فقط مع التذبذب التقليدي في الأمطار، بل أصبح يواجه تحديات مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط التساقطات وتزايد الضغط على الموارد المائية. ولذلك فإن بناء توقعات اقتصادية دقيقة يتطلب احتساب درجة عدم اليقين المرتبطة بالمناخ، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمحاصيل الحبوب التي تتأثر بشكل مباشر بكمية الأمطار وتوزيعها زمنيا ومكانيا.
وفي المقابل، يظل القطاع الصناعي أحد المحركات الأساسية للنشاط الاقتصادي، خاصة من خلال الصناعات المرتبطة بالتصدير. فقد حافظت قطاعات مثل صناعة السيارات وقطع غيار الطائرات على حضور متزايد ضمن النسيج الإنتاجي المغربي، مستفيدة من تطور الاستثمارات ومن تموقع المملكة ضمن سلاسل الإنتاج الدولية. غير أن قوة هذه القطاعات لا تعني بالضرورة أنها محصنة أمام التقلبات التي تعرفها الأسواق الخارجية.
ويعتمد جزء مهم من النشاط الصناعي المغربي على الطلب الخارجي، وهو ما يجعل أداء الاقتصاد الوطني مرتبطا بدرجة كبيرة بوضعية الشركاء التجاريين. ويأتي الاتحاد الأوروبي في مقدمة هذه الأسواق، بالنظر إلى الوزن الكبير الذي تمثله التجارة مع الفضاء الأوروبي ضمن المبادلات الخارجية للمغرب. وبالتالي فإن أي تباطؤ اقتصادي في أوروبا أو تراجع في الطلب على السيارات ومكونات الطائرات والمنتجات الصناعية يمكن أن ينعكس بشكل مباشر أو غير مباشر على وتيرة النمو الوطني.
وتفرض هذه المعطيات ضرورة التعامل بحذر مع المؤشرات الإيجابية التي تسجلها بعض القطاعات التصديرية، لأن استمرار الأداء القوي للصناعة يحتاج إلى توفر طلب خارجي مستقر، إلى جانب قدرة الشركات المغربية على مواجهة المنافسة الدولية وتطور تكاليف الإنتاج والطاقة والنقل. كما أن التحولات التي تشهدها الأسواق الأوروبية قد تعيد تشكيل بعض شروط المبادلات التجارية خلال السنوات المقبلة.
وتدخل أسعار النفط بدورها ضمن المتغيرات القادرة على التأثير في الحسابات الاقتصادية للمغرب، باعتبار أن المملكة تعتمد على استيراد جزء كبير من حاجياتها الطاقية. فارتفاع أسعار النفط عالميا يمكن أن يزيد تكلفة الواردات ويضغط على الميزان التجاري، كما قد يرفع تكاليف الإنتاج والنقل، بينما يمكن لانخفاض الأسعار أن يخفف جزءا من هذه الضغوط ويمنح الاقتصاد هامشا أوسع للتنفس.
ويعني ذلك أن توقع النمو الاقتصادي المغربي في 2027 لا يمكن فصله عن تطورات الاقتصاد العالمي، خصوصا أن المغرب أصبح أكثر ارتباطا بسلاسل التجارة والاستثمار الدولية. فالمعادلة الاقتصادية لم تعد تقوم فقط على ما ينتج داخل البلاد، وإنما تشمل أيضا ما يحدث في الأسواق العالمية وأسعار المواد الأولية والطاقة ومستوى الطلب في الدول الشريكة.
وتوضح الفوارق بين تقديرات المؤسسات الاقتصادية أن كل جهة تعتمد منظومة مختلفة من الفرضيات والمعطيات عند محاولة استشراف مسار الاقتصاد الوطني. فهناك من يعطي وزنا أكبر للموسم الفلاحي، بينما يركز آخرون على أداء القطاعات غير الفلاحية، أو على أسعار النفط، أو على وضعية الاقتصاد العالمي والأسواق الخارجية.
ويفسر هذا التعدد سبب اختلاف نسب النمو المنتظرة بين مؤسسة وأخرى، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود تناقض مباشر بينها. فالتوقعات الاقتصادية بطبيعتها قابلة للتعديل كلما تغيرت المعطيات، وقد ترتفع أو تنخفض وفقا لتطور الموسم الفلاحي، والأسعار العالمية، والاستثمار، والاستهلاك، والصادرات، فضلا عن الظروف الدولية.
ويظل التحدي بالنسبة للمغرب هو تقليص درجة ارتباط النمو بالعوامل التي لا يمكن التحكم فيها، وفي مقدمتها التساقطات المطرية وتقلبات الأسواق العالمية. ويتطلب ذلك مواصلة تنويع قاعدة الاقتصاد الوطني، وتقوية القطاعات الصناعية والخدماتية، وتوسيع الأسواق الخارجية، إلى جانب دعم الاستثمار ورفع القدرة التنافسية للمقاولات.
ويكشف النقاش حول توقعات 2027 في النهاية عن معادلة اقتصادية دقيقة، يكون فيها المطر عاملا مؤثرا، بينما تظل الأسواق الخارجية وأسعار الطاقة عناصر حاسمة في تحديد المسار العام. وبين التفاؤل الرسمي والحذر الذي تبديه بعض التقديرات الأخرى، تبدو النسبة النهائية للنمو مرتبطة بمدى تحقق الفرضيات التي بنيت عليها الحسابات، وبقدرة الاقتصاد المغربي على امتصاص الصدمات الخارجية والاستفادة من نقاط قوته الداخلية.
ويجعل هذا الوضع سنة 2027 محطة مهمة لاختبار مدى قدرة الاقتصاد المغربي على تحقيق نمو أكثر استقرارا وأقل ارتهانا للظروف المناخية والخارجية. فكلما نجح المغرب في توسيع مصادر النمو وتعزيز الإنتاج الصناعي والخدماتي ورفع قيمة صادراته، أصبح الاقتصاد أكثر قدرة على مواجهة السنوات الفلاحية الصعبة والتقلبات التي تعرفها الأسواق الدولية. وفي المقابل، سيظل القطاع الفلاحي حاضرا بقوة في معادلة النمو، إلى أن تتراجع درجة تأثير الظروف المناخية على النشاط الاقتصادي بشكل ملموس.







