يعود النجم ليونيل ميسي إلى قائمة المنتخب الأرجنتيني، بعد أسابيع قليلة من إعلان اعتزاله اللعب الدولي، من أجل خوض مباراة أخيرة بقميص «التانغو» أمام منتخب بنين، يوم 6 أكتوبر 2026، على أرضية ملعب «مونومنتال» في العاصمة بوينس آيرس.
ولا تمثل عودة ميسي تراجعاً عن قرار الاعتزال، بقدر ما تشكل استجابة لدعوة رسمية وجهها إليه الاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم، حتى ينهي مسيرته الدولية أمام الجماهير التي تابعته لأكثر من عقدين، ويودع القميص الذي ارتبط بأبرز لحظات مسيرته الرياضية.
وأعلن كلاوديو تابيا، رئيس الاتحاد الأرجنتيني، أن القرار اتُّخذ بتنسيق مع المدرب ليونيل سكالوني، مؤكداً أن الهدف هو منح قائد المنتخب السابق الوداع الذي يليق بمكانته وتاريخه. كما تقرر توجيه الدعوة إلى اللاعبين الذين شاركوا مع ميسي في التتويج بكأس العالم قطر 2022، إلى جانب أفراد أسرهم، للمشاركة في أمسية يُنتظر أن تتحول إلى احتفال كروي واسع.
ميسي يعود لمباراة واحدة فقط
إدراج اسم ميسي ضمن قائمة الأرجنتين أثار اهتماماً عالمياً، بالنظر إلى أنه أعلن يوم 31 غشت 2026 نهاية رحلته مع المنتخب، عقب مسيرة استمرت أكثر من عشرين عاماً. غير أن المعطيات المعلنة توضح أن حضوره سيقتصر على مواجهة بنين، ولن يشارك في المباراتين الوديتين اللتين تسبقان ليلة الوداع.
ويستهل المنتخب الأرجنتيني برنامجه بمواجهة بوليفيا يوم 30 شتنبر على ملعب «ماريو ألبرتو كيمبس» في مدينة قرطبة، ثم يواجه بوركينا فاسو يوم 3 أكتوبر على ملعب «مونومنتال»، قبل أن يختتم مبارياته بلقاء بنين يوم 6 أكتوبر على الملعب نفسه.
ويمنح هذا الترتيب مباراة بنين مكانة مختلفة عن بقية المواجهات، إذ لن تكون مجرد لقاء ودي ضمن فترة التوقف الدولي، بل محطة رمزية لإغلاق واحدة من أطول القصص في تاريخ المنتخب الأرجنتيني. ومن المنتظر أن تكون لحظة دخول ميسي إلى أرضية الملعب، ثم خروجه منها للمرة الأخيرة، محور الأمسية التي ستجمع بين الطابع الرياضي والاحتفاء الجماهيري.
وتضم قائمة الأرجنتين أسماء بارزة شاركت في نهائيات كأس العالم 2026، فضلاً عن مجموعة من اللاعبين الشباب الذين يسعى سكالوني إلى إدماجهم تدريجياً في التشكيلة. كما سيشارك رودريغو دي بول وجيوفاني لو سيلسو في لقاء بنين فقط، إلى جانب ميسي، وفق البرنامج المعلن للمباريات الثلاث.
وداع يؤرخ لنهاية جيل استثنائي
تحمل مباراة الوداع دلالات تتجاوز الأرقام، لأن خروج ميسي من المنتخب يعني نهاية المرجعية الفنية التي بني حولها أداء الأرجنتين خلال سنوات طويلة. فقد كان اللاعب حاضراً في لحظات الانكسار التي عاشها المنتخب، مثل خسارة نهائي كأس العالم 2014 وعدد من نهائيات كوبا أمريكا، قبل أن يقود جيلاً جديداً إلى استعادة الألقاب.
وكان ميسي قد أعلن اعتزال اللعب الدولي للمرة الأولى عقب خسارة نهائي كوبا أمريكا سنة 2016، لكنه عدل عن القرار وعاد إلى صفوف المنتخب. وشكلت تلك العودة بداية مرحلة انتهت بتتويج الأرجنتين بكوبا أمريكا سنة 2021، ثم بكأس العالم في قطر سنة 2022، قبل إحراز كوبا أمريكا للمرة الثانية توالياً سنة 2024.
وخاض ميسي 207 مباريات دولية وسجل 125 هدفاً، ليصبح اللاعب الأكثر مشاركة والهداف التاريخي للمنتخب الأرجنتيني. وهي حصيلة تعكس استمرارية نادرة في أعلى مستويات المنافسة، خصوصاً أنه سجل ظهوره الدولي الأول سنة 2005 عندما كان يبلغ 18 عاماً.
وفي نهائيات كأس العالم 2026، ساهم ميسي في بلوغ الأرجنتين المباراة النهائية، بعدما أحرز ثمانية أهداف وقدم أربع تمريرات حاسمة. غير أن رحلته الأخيرة في البطولة انتهت بخسارة المنتخب الأرجنتيني أمام إسبانيا بهدف دون رد بعد التمديد، في النهائي الذي أقيم يوم 19 يوليوز على ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي.
المنتخب الأرجنتيني أمام مرحلة جديدة
لن يقتصر تأثير اعتزال ميسي على غياب لاعب يمتلك مهارات فردية استثنائية، بل سيضع الجهاز التقني أمام مهمة إعادة توزيع الأدوار داخل المجموعة. فقد ظل قائد المنتخب لسنوات نقطة الالتقاء بين خط الوسط والهجوم، كما ارتبطت به المسؤولية في المباريات الكبرى واللحظات التي تحتاج إلى حلول فردية.
وسيكون على الأرجنتين بناء هوية هجومية جديدة تستفيد من أسماء مثل جوليان ألفاريز ولاوتارو مارتينيز وإنزو فيرنانديز، بالتوازي مع منح الفرصة للاعبين الشباب. وتبدو المباريات الودية الثلاث بداية عملية لهذا التحول، لأنها تأتي مباشرة بعد كأس العالم وتسمح للطاقم التقني باختبار خيارات جديدة بعيداً عن ضغط المنافسات الرسمية.
كما تحمل المرحلة المقبلة تحدياً يتعلق بالقيادة داخل غرفة الملابس. فميسي لم يكن مجرد هداف أو صانع ألعاب، بل كان رمزاً التف حوله اللاعبون والجمهور، خاصة بعد تتويج قطر 2022. ولذلك سيكون تعويض حضوره المعنوي أكثر تعقيداً من إيجاد لاعب يشغل مركزه داخل الملعب.
ملعب مونومنتال يحتضن الرقصة الأخيرة
اختيار ملعب «مونومنتال»، معقل نادي ريفر بليت، لإقامة المباراة يحمل بعداً جماهيرياً وتاريخياً واضحاً. فالملعب يُعد أحد أبرز رموز كرة القدم الأرجنتينية، ويتسع لعدد كبير من المشجعين، ما يجعله مناسباً لتنظيم ليلة وداع لنجم تحول إلى جزء من الذاكرة الرياضية للبلاد.
ومن المتوقع أن تتضمن الأمسية فقرات تكريمية وحضوراً لعدد من اللاعبين الذين تقاسموا مع ميسي محطات بارزة، وفي مقدمتهم أبطال العالم في قطر. كما أن مواجهة بنين ستكون الفرصة الأخيرة للجمهور الأرجنتيني لمشاهدة صاحب القميص رقم 10 وهو يمثل المنتخب داخل بلاده.
وقد لا تكون النتيجة هي العنصر الأهم في هذا اللقاء، رغم حرص الأرجنتين على تحقيق الفوز، لأن الأنظار ستتجه أساساً إلى تفاصيل الوداع. وستحمل كل لمسة للكرة، وكل تحية من المدرجات، معنى إضافياً في مباراة تنهي ارتباطاً دولياً بدأ قبل أكثر من عقدين.
ميسي يترك إرثاً يتجاوز الألقاب
نجح ميسي خلال الجزء الأخير من مسيرته الدولية في تغيير العلاقة المضطربة التي جمعته أحياناً بالجماهير الأرجنتينية. فبعد سنوات من المقارنة المستمرة بالأسطورة دييغو مارادونا، والانتقادات التي لاحقته بسبب غياب الألقاب الكبرى، قاد المنتخب إلى أهم البطولات وأصبح الشخصية المركزية في واحد من أنجح أجياله.
وجاء التتويج بكأس العالم 2022 ليحسم جانباً كبيراً من ذلك النقاش، ويمنح ميسي اللقب الذي ظل ينقص سجله. أما بلوغ نهائي نسخة 2026، فرغم الخسارة أمام إسبانيا، فقد أكد قدرته على الحفاظ على تأثيره حتى السنوات الأخيرة من مسيرته.
وعندما يدخل ميسي ملعب «مونومنتال» يوم 6 أكتوبر، لن تكون عودته محاولة لفتح فصل جديد، بل ستكون الصفحة الأخيرة في مسيرة دولية استثنائية. وسيغادر المنتخب بعدما جمع بين الأرقام القياسية والألقاب واللحظات التي بقيت راسخة في ذاكرة جماهير الأرجنتين، تاركاً خلفه مسؤولية ثقيلة أمام الجيل الذي سيحاول قيادة «التانغو» من بعده.








