كوثر بوجوال
تتجه أنظار ألعاب القوى المغربية إلى العداءة فاطمة الزهراء بيرداحة، التي تستعد لتمثيل المملكة في بطولة العالم لألعاب القوى للجري على الطرق، المقررة يومي 19 و20 شتنبر 2026 في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن، وهي تحمل طموحاً كبيراً لتأكيد حضورها بين أبرز المتخصصات في سباقات المسافات الطويلة.
وتدخل بيرداحة هذا الموعد العالمي مدعومة بنتائج قوية حققتها خلال ألعاب البحر الأبيض المتوسط بمدينة تارانتو الإيطالية سنة 2026، بعدما أحرزت الميدالية الذهبية في سباق 5000 متر، قبل أن تضيف ذهبية ثانية في نصف الماراثون.
وأظهرت العداءة المغربية في تلك المشاركة قدرتها على المنافسة في مسافتين تختلفان من حيث إدارة الجهد والإيقاع، إذ تحتاج سباقات المضمار إلى قراءة دقيقة لتحركات المنافسات والتعامل مع تغير السرعة، بينما يتطلب نصف الماراثون قدرة أكبر على التحمل والمحافظة على إيقاع مرتفع طوال مسافة تتجاوز 21 كيلومتراً.
وتشكل بطولة كوبنهاغن محطة جديدة لاختبار مستوى بيرداحة أمام مشاركة دولية قوية، كما تمنحها فرصة لتحويل إنجازها المتوسطي إلى حضور مؤثر على المستوى العالمي، في وقت تبحث فيه ألعاب القوى الوطنية عن أسماء جديدة قادرة على مواصلة التقاليد المغربية في سباقات المسافات المتوسطة والطويلة.
ذهبيتا تارانتو ترفعان سقف التطلعات
رفعت النتائج التي حققتها بيرداحة في تارانتو مستوى التطلعات المرتبطة بمشاركتها في كوبنهاغن، خصوصاً أن الجمع بين ذهبيتي 5000 متر ونصف الماراثون يعكس تنوع إمكاناتها وقدرتها على الانتقال بين المضمار والطريق.
ولم يكن التتويج في سباقين مختلفين مجرد إضافة ميداليتين إلى رصيدها، بل قدم مؤشراً على تطور مستواها البدني والتكتيكي. فالنجاح في 5000 متر يحتاج إلى سرعة وقدرة على التعامل مع اللفات الأخيرة، بينما يفرض نصف الماراثون توزيعاً صارماً للجهد وتجنب الانطلاق السريع الذي قد يدفع العداء إلى فقدان إيقاعه خلال الكيلومترات الحاسمة.
وتصل العداءة المغربية إلى البطولة العالمية وهي تحمل ثقة بنتائج حديثة، وهي نقطة مهمة في سباقات الطريق التي لا تعتمد على الجاهزية البدنية وحدها، بل تحتاج أيضاً إلى تركيز ذهني وقدرة على اتخاذ القرارات أثناء السباق.
كما أن الانتقال من المنافسة المتوسطية إلى البطولة العالمية سيضع بيرداحة أمام مستوى أعلى من الضغط والسرعة، ما يجعل سباق كوبنهاغن مقياساً دقيقاً لموقعها الحالي ومدى قدرتها على مجاراة إيقاع النخبة الدولية.
نصف الماراثون اختبار للسرعة والتحمل
يمتد سباق نصف الماراثون على مسافة 21.0975 كيلومتراً، ويحتاج إلى مزيج متوازن بين التحمل والسرعة. فالعداءة مطالبة بالحفاظ على إيقاع قوي لفترة طويلة، من دون استنزاف مخزونها البدني خلال البداية.
ويعتمد النجاح في هذا النوع من السباقات على قراءة مراحل المنافسة، واختيار المجموعة المناسبة للجري، والتعامل مع تغير الإيقاع، ثم الاحتفاظ بطاقة كافية للكيلومترات الأخيرة.
كما تلعب الحالة الجوية وطبيعة المسار دوراً في النتيجة، لأن الرياح ودرجات الحرارة والمنعطفات تؤثر في سرعة السباق واستهلاك الطاقة. ولذلك يحتاج الأداء إلى مرونة تكتيكية، بدلاً من الالتزام بإيقاع ثابت لا يراعي ما يحدث على الطريق.
وتملك بيرداحة تجربة حديثة ناجحة في المسافة نفسها، بعد ذهبية ألعاب البحر الأبيض المتوسط، غير أن المنافسة العالمية تفرض عليها التعامل مع عداءات يمتلكن أرقاماً وتجارب قوية في السباقات الكبرى.
مشروع مغربي واعد في المسافات الطويلة
تعد فاطمة الزهراء بيرداحة من الأسماء الصاعدة التي تعول عليها ألعاب القوى المغربية في سباقات المسافات الطويلة، بالنظر إلى مؤهلاتها البدنية والفنية ونتائجها المتطورة.
ولا يرتبط وصفها بالمشروع الواعد بعامل السن أو الطموح فقط، بل بقدرتها على تحقيق نتائج في أكثر من مسافة، وهو ما يمنح طاقمها التقني هامشاً لتطوير مسارها واختيار السباقات الأكثر ملاءمة لإمكاناتها.
ويحتاج بناء عداءة قادرة على المنافسة العالمية إلى برنامج طويل المدى، يشمل التداريب البدنية والاسترجاع والتغذية والمشاركة المنتظمة في سباقات ذات مستوى مرتفع. كما يتطلب تفادي الضغط الناتج عن ربط كل مشاركة بضرورة إحراز ميدالية.
وتأتي بطولة كوبنهاغن في هذا السياق باعتبارها محطة للتنافس واكتساب الخبرة في الوقت نفسه. فتحقيق مركز متقدم سيكون نتيجة مهمة، لكن الاحتكاك بنخبة الجري على الطرق والقدرة على إكمال السباق بإيقاع قوي يمثلان بدورهما مكسباً لمسار العداءة.
الانضباط يصنع الفارق
يمثل الانضباط أحد أبرز عناصر مسار بيرداحة، إذ تعتمد على الالتزام المستمر بالتدريب واحترام البرنامج الرياضي والعمل على تطوير تفاصيل الأداء.
وفي سباقات المسافات الطويلة، لا يمكن بناء المستوى خلال أسابيع قليلة، لأن الجاهزية المطلوبة تحتاج إلى تراكم منتظم في حجم التداريب والسرعة وقدرة الجسم على التعافي. كما يمكن لأي انقطاع أو خلل في الاستعداد أن يظهر أثره بوضوح خلال النصف الثاني من السباق.
ويشمل الانضباط أيضاً التحكم في إيقاع المنافسة وعدم الانجرار وراء بدايات أسرع من الخطة الموضوعة، خصوصاً في البطولات التي تشهد اندفاعاً كبيراً منذ الكيلومترات الأولى.
وتوضح نتائج بيرداحة في تارانتو أن العمل اليومي بدأ يتحول إلى إنجازات ملموسة، لكن بطولة العالم ستفرض عليها الحفاظ على التركيز أمام منافسات اعتدن خوض سباقات قوية والوصول إلى مستويات عالية من السرعة.
كوبنهاغن محطة عالمية جديدة
تمثل المشاركة في بطولة العالم للجري على الطرق فرصة لبيرداحة لتقديم اسمها أمام جمهور أوسع، واختبار قدرتها على التعامل مع أجواء تختلف عن البطولات الإقليمية.
وتعرف المنافسات العالمية عادة سباقات سريعة، بسبب تقارب مستويات المشاركات ووجود مجموعات تسعى إلى فرض إيقاع مرتفع منذ البداية. ويصبح اختيار الموقع داخل المجموعة مهماً لتقليص تأثير الرياح وتجنب فقدان التواصل مع المتقدمات.
كما تحتاج العداءة المغربية إلى الموازنة بين طموح المنافسة على مركز متقدم وضرورة إدارة السباق بواقعية. فالاندفاع المبكر قد يمنحها موقعاً جيداً خلال الجزء الأول، لكنه قد يكلفها كثيراً في النهاية إذا تجاوزت الإيقاع الذي تسمح به جاهزيتها.
وفي المقابل، يمكن لبداية محسوبة أن تساعدها على التقدم تدريجياً واستغلال تراجع بعض المنافسات في الكيلومترات الأخيرة. وتظل الخطة مرتبطة بطبيعة السباق والظروف التي ستظهر يوم المنافسة.
رهان على تأكيد الإنجاز المتوسطي
لا تدخل بيرداحة بطولة كوبنهاغن باعتبارها اسماً مجهولاً تماماً، بل بصفتها بطلة متوسطية في سباقي 5000 متر ونصف الماراثون. ويمنحها هذا الإنجاز دفعة معنوية، لكنه يرفع أيضاً حجم الانتظارات.
وسيكون التحدي الأساسي هو تأكيد أن نتائج تارانتو شكلت بداية لمسار تصاعدي، وليس محطة منفصلة. ويتطلب ذلك تقديم أداء يعكس قدرتها على مجاراة النسق العالمي، حتى إذا اختلفت النتيجة عن التتويج الذي حققته في المنافسة المتوسطية.
كما تسمح المشاركة بتحديد الجوانب التي تحتاج إلى تطوير خلال المرحلة المقبلة، سواء تعلق الأمر بسرعة الانطلاق أو المحافظة على الإيقاع أو إنهاء السباق بقوة.
ويستفيد الطاقم التقني من مثل هذه البطولات في تقييم العمل المنجز ومقارنة أرقام العداءة بأداء منافسات من مدارس مختلفة، ثم تعديل البرنامج التدريبي وفق المعطيات التي يكشفها السباق.
ألعاب القوى المغربية تبحث عن امتداد جديد
يحمل المغرب تاريخاً بارزاً في ألعاب القوى، خصوصاً في سباقات المسافات المتوسطة والطويلة، ما يجعل ظهور كل اسم جديد مصحوباً بتطلعات كبيرة إلى استعادة الحضور في البطولات العالمية.
غير أن المنافسة الحديثة أصبحت أكثر اتساعاً، مع تطور مدارس متعددة وارتفاع سرعة السباقات وتحسن طرق التدريب والتحضير. ولذلك تحتاج المواهب المغربية إلى مواكبة مستمرة وبرامج تضمن لها الانتقال التدريجي من المستوى الوطني والقاري إلى العالمية.
وتقدم بيرداحة نموذجاً لعداءة تجمع بين المشاركة على المضمار والجري على الطرق، وهو مسار يمكن أن يساعدها على توسيع خبرتها وتطوير السرعة والتحمل معاً.
كما أن نجاحها قد يمنح دفعة إضافية لسباقات الطريق داخل المغرب، ويشجع عداءات أخريات على التخصص في نصف الماراثون والماراثون، وهما مسافتان تتيحان فرصاً واسعة للمنافسة في البطولات والملتقيات الدولية.
بين ذهب تارانتو وحلم كوبنهاغن
تصل فاطمة الزهراء بيرداحة إلى كوبنهاغن بعدما أثبتت قدرتها على الصعود إلى منصة التتويج في ألعاب البحر الأبيض المتوسط، لكنها تدرك أن السباق العالمي يفتح صفحة مختلفة من حيث قوة المنافسة وحجم الضغط.
وسيكون عليها تحويل الثقة التي منحتها إياها ذهبيتا تارانتو إلى أداء متوازن، يجمع بين الجرأة في المنافسة والحذر في توزيع الجهد.
وبغض النظر عن المركز النهائي، تشكل البطولة خطوة مهمة في مسارها، لأنها تمنحها احتكاكاً مباشراً بمستوى عالمي وتساعدها على تثبيت حضورها ضمن الأسماء المغربية الواعدة.
وبين إنجاز تحقق في تارانتو وطموح يتجدد في كوبنهاغن، تحمل بيرداحة آمال المغرب في سباق يحتاج إلى الصبر والانضباط وقوة الذهن بقدر حاجته إلى السرعة. ويظل الرهان أن تخرج من الموعد العالمي بأداء يؤكد تطورها ويفتح أمامها طريقاً أوسع نحو المنافسات الكبرى المقبلة.








