إعلان
980×90
مساحة إعلانية
مجتمع

مخيمات تندوف تهتز على وقع شبهات احتيال واختفاء مدير شركة استثمارية

15:55 · 16/09/2026

كوثر بوجوال

اهتزت مخيمات تندوف على وقع قضية مالية واسعة، بعد تداول معطيات بشأن انهيار شركة تحمل اسم «إنفرافيست للمقاولات والاستثمار»، واختفاء مديرها سلامو أباعلي، تاركاً خلفه عدداً كبيراً من المودعين الذين يطالبون باستعادة أموالهم.

وتشير المعلومات المتداولة إلى أن الشركة بدأت نشاطها داخل المخيمات سنة 2022، وقدمت نفسها في البداية باعتبارها مقاولة تعمل في مجالات البناء والاستثمار، قبل أن تتوسع في استقطاب الأموال مقابل وعود بتحقيق أرباح مرتفعة.

وتجمع عشرات المتضررين، خلال الأسبوع الجاري، أمام مقر الشركة في منطقة الرابوني، للمطالبة بالكشف عن مصير ودائعهم واسترجاع المبالغ التي سلموها إلى مسؤوليها، وسط تقديرات أولية تتحدث عن خسائر بملايين الدينارات الجزائرية والأوقيات الموريتانية.

ولم تتضح بعد القيمة الإجمالية للأموال التي جُمعت، كما لم يصدر إعلان قضائي مفصل يحسم طبيعة الوقائع أو المسؤوليات، غير أن شهادات متداولة من داخل المخيمات تتحدث عن عدد كبير من الضحايا وعن عوائد وُعدوا بها تراوحت بين 50 و70 في المائة.

وتعيد القضية طرح أسئلة حادة بشأن غياب الرقابة المالية والقانونية داخل المخيمات الخاضعة لسيطرة مليشيات البوليساريو، وكيف تمكنت جهة استثمارية من جمع مبالغ كبيرة من السكان على مدى سنوات من دون الكشف عن طبيعة مواردها أو الضمانات التي تحمي المودعين.

شركة بدأت بالمقاولات وانتهت بجمع أموال السكان

قدمت «إنفرافيست للمقاولات والاستثمار» نفسها عند انطلاق نشاطها في صورة شركة تعمل في البناء والمقاولات، وهو قطاع ملموس يسهل استخدامه لبناء الثقة وإقناع السكان بوجود مشاريع وأصول قادرة على تحقيق مداخيل.

وبحسب روايات متداولة داخل المخيمات، لم تبدأ الشركة مباشرة بطلب الإيداعات، بل عملت أولاً على تعزيز حضورها الاجتماعي وتنظيم أنشطة خيرية ورعاية مبادرات مجتمعية وثقافية تلامس حاجيات السكان.

وساعد هذا الظهور في بناء صورة إيجابية حول الشركة ومديرها، خصوصاً داخل بيئة محدودة الفرص الاقتصادية وتفتقر إلى مؤسسات مالية واستثمارية خاضعة لرقابة واضحة.

وبعد ترسيخ حضورها، انتقلت الشركة تدريجياً إلى عرض فرص «الاستثمار المباشر»، ودعت سكان المخيمات إلى إيداع أموالهم مقابل الحصول على أرباح وصفت بأنها مهمة.

واستخدمت في حملاتها عبارات عاطفية من قبيل «أنت احلم ونحن نحقق لك الحلم»، ما منح نشاطها طابعاً يتجاوز المعاملات المالية إلى تقديم نفسها كوسيلة لتحقيق طموحات الأسر والشباب.

أرباح تصل إلى 70 في المائة

تمثل نسب الأرباح المعلنة أخطر عناصر القضية، إذ تتحدث الإفادات عن وعود بعوائد تتراوح بين 50 و60 في المائة، وتصل في بعض الحالات إلى 70 في المائة.

وتعد هذه النسب مرتفعة بصورة استثنائية مقارنة بالعوائد المعتادة للأنشطة التجارية والاستثمارية، خصوصاً عندما تقدم إلى الجمهور على أنها أرباح مضمونة أو سهلة ومن دون شرح واضح للمخاطر.

وكلما ارتفعت نسبة الربح الموعود، كان ضرورياً أن تقدم الجهة الاستثمارية معلومات دقيقة بشأن النشاط الذي يحقق تلك العائدات، وحجم المخاطر، وطريقة تدبير الأموال، والضمانات المتاحة عند تعثر المشروع.

غير أن سكان المخيمات وجدوا أنفسهم، بعد اختفاء المدير وتوقف الشركة، أمام تساؤلات بشأن حقيقة المشاريع التي كانت تمولها ودائعهم، وما إذا كانت الأرباح السابقة ناتجة عن نشاط اقتصادي فعلي أم عن استخدام أموال المودعين الجدد لتسديد عوائد المشتركين السابقين.

ولا يمكن حسم طبيعة النموذج المالي من دون تحقيق مستقل، لكن الوعود بعائدات ضخمة وغموض الأنشطة واختفاء المسؤول الرئيسي تمثل مؤشرات تفرض فتح بحث شامل في طريقة جمع الأموال وتدبيرها.

اختفاء المدير يفجر غضب المودعين

شكل اختفاء سلامو أباعلي لحظة التحول في القضية، إذ انتقلت الشركة من مؤسسة تقدم وعوداً استثمارية إلى مركز أزمة مالية واجتماعية داخل المخيمات.

وتجمع متضررون أمام مقرها في الرابوني بعدما تعذر عليهم الوصول إلى المسؤولين أو استرجاع ودائعهم، في مشهد يعكس حجم الصدمة التي تعرض لها المودعون.

ولا تتعلق الخسائر بأموال زائدة استثمرها أصحابها بحثاً عن أرباح إضافية فقط، إذ يُحتمل أن يكون بعض الضحايا قد سلموا مدخراتهم أو مبالغ جمعتها أسرهم خلال سنوات، مدفوعين بالثقة التي بنتها الشركة والوعود التي قدمتها.

كما أن تداول الدينار الجزائري والأوقية الموريتانية ضمن المبالغ المفقودة يعكس الطبيعة الاقتصادية الخاصة للمخيمات وارتباط معاملاتها بمحيطها الإقليمي، ويزيد صعوبة تحديد الحجم الحقيقي للخسائر.

تقديرات أولية بمبالغ ضخمة

تتحدث التقديرات الأولية عن استيلاء الشركة على ملايين الدينارات الجزائرية والأوقيات الموريتانية، بينما تشير شهادات أخرى إلى أرقام أكبر، من دون توفر حصيلة مدققة حتى الآن.

ولا يمكن اعتماد قيمة نهائية قبل جرد عدد المودعين والعقود والإيصالات والمبالغ المؤداة والعوائد التي حصل عليها بعضهم، إن وجدت.

كما يتطلب تحديد الخسائر الفصل بين رأس المال الذي أودعه الضحايا والأرباح التي وُعدوا بها، لأن الأرقام المتداولة قد تجمع بين الأموال المدفوعة والعائدات الافتراضية.

ويزيد غياب معطيات رسمية وشفافة من انتشار تقديرات متضاربة، وهو ما يجعل تشكيل لجنة مستقلة لجمع الملفات وتوثيقها خطوة ضرورية لحماية حقوق المتضررين.

ناشط من المخيمات يصف العملية بأنها محكمة التدبير

اعتبر الناشط مصطفى بودا أن ما شهدته المخيمات في قضية «إنفرافيست» يتجاوز مجرد تعثر مالي أو خسارة استثمارية عادية، ويمثل، بحسب توصيفه، عملية احتيال جرى الإعداد لها على مراحل.

وأوضح أن الشركة بدأت تحت غطاء البناء والمقاولات، قبل أن تستخدم الأنشطة الخيرية والرعايات المجتمعية والثقافية لاكتساب ثقة السكان.

وأضاف أن الشعارات الجذابة والوعود بتحقيق الأحلام استُخدمت للانتقال إلى مرحلة استقطاب الودائع، مع تقديم نسب أرباح وصفها بأنها خيالية وغير منطقية.

وتظل هذه التصريحات جزءاً من رواية متداولة بشأن القضية، في انتظار تحقيق يكشف طبيعة النشاط والمعاملات ومسؤولية كل طرف. غير أنها تقدم تصوراً عن الكيفية التي بُنيت بها الثقة قبل انهيار الشركة.

العمل الخيري بوابة إلى الثقة

توضح القضية خطورة استخدام المبادرات الخيرية كأداة تسويقية لإضفاء المصداقية على أنشطة مالية غير واضحة، خصوصاً داخل المجتمعات التي تعاني من الهشاشة وقلة فرص العمل والاستثمار.

فعندما تدعم شركة أنشطة اجتماعية أو ثقافية، قد ينظر إليها السكان باعتبارها مؤسسة مستقرة وملتزمة تجاه المجتمع، ما يجعلهم أقل تشدداً في طلب الوثائق والضمانات قبل تسليمها أموالهم.

كما يمكن أن يؤدي حصول بعض المستثمرين الأوائل على أرباح إلى تعزيز الثقة وتشجيعهم على دعوة أقاربهم ومعارفهم، فتتوسع دائرة المودعين بسرعة.

غير أن نجاح الدفعات الأولى لا يثبت بالضرورة سلامة النموذج، لأن بعض العمليات الاحتيالية تعتمد على دفع عوائد للمشتركين الأوائل من أموال الوافدين الجدد، قبل أن تنهار عندما يتوقف تدفق الإيداعات أو ترتفع طلبات السحب.

غياب الرقابة في مخيمات تندوف تحت المجهر

لا تقف القضية عند مسؤولية الشركة ومديرها، بل تطرح سؤالاً بشأن الجهات التي سمحت لها بممارسة أنشطتها وجمع الأموال داخل المخيمات منذ سنة 2022.

فأي جهة تستقطب ودائع الجمهور وتقدم وعوداً استثمارية يفترض أن تخضع لترخيص ومراقبة، وأن تكشف عن حساباتها ومشاريعها ومخاطرها، مع وجود مسار قانوني واضح يسمح للمودعين بتقديم الشكايات واسترجاع حقوقهم.

لكن مخيمات تندوف تعيش فراغاً مؤسساتياً واستمراراً لسيطرة مليشيات البوليساريو على حياة السكان، ما يحد من وجود أجهزة رقابة مستقلة وقضاء واضح يمكن الاحتكام إليه.

ويضع هذا الواقع المتضررين أمام صعوبة مزدوجة، تتمثل في ضياع الأموال من جهة، وعدم وضوح الجهة القادرة على التحقيق والحجز على الأصول وملاحقة المسؤولين من جهة أخرى.

أسئلة تنتظر قيادة البوليساريو

تحتاج قيادة مليشيات البوليساريو إلى توضيح الكيفية التي حصلت بها الشركة على إذن للعمل، والجهة التي راقبت نشاطها، وما إذا كانت تقدم تقارير مالية أو تمتلك ضمانات تغطي ودائع السكان.

كما يتعين الكشف عن الإجراءات المتخذة بعد اختفاء المدير، وما إذا صدرت مذكرة بحث في حقه، وهل جرى تجميد أموال الشركة وممتلكاتها لمنع تهريبها أو التصرف فيها.

ويظل السؤال الأبرز متعلقاً بالسبب الذي سمح بتقديم وعود بأرباح تصل إلى 70 في المائة من دون تدخل مبكر للتحقق من مصدر هذه العائدات.

فالصمت أو التأخر في معالجة الملف قد يؤديان إلى ضياع مزيد من الأدلة والأموال، ويضعفان إمكانية تعويض الضحايا، خاصة إذا تمكن المسؤولون من نقل الأصول إلى خارج المخيمات.

الضحايا ينتظرون أكثر من الوعود

يحتاج المتضررون إلى مسار واضح يبدأ بتسجيل شكاياتهم وحصر المبالغ التي أودعوها، ثم جرد أصول الشركة وحساباتها ومشاريعها والعقود التي أبرمتها.

كما ينبغي تحديد الأشخاص الذين شاركوا في إدارة النشاط أو الترويج له أو جمع الأموال، من دون افتراض مسؤوليتهم جميعاً قبل انتهاء التحقيق.

وتفرض القضية كذلك حماية الوثائق والسجلات والأجهزة الموجودة في مقر الشركة، لأنها قد تحتوي على بيانات المودعين والتحويلات والمعاملات التي تسمح بإعادة بناء المسار المالي للأموال.

أما الاكتفاء بوصف ما حدث بأنه إفلاس تجاري، من دون التحقيق في طريقة تقديم الوعود وجمع الودائع، فقد يؤدي إلى طمس الفارق بين مشروع تعثر لأسباب اقتصادية وعملية احتيال مخطط لها.

أزمة مالية تكشف هشاشة المخيمات

تأتي قضية «إنفرافيست» لتكشف جانباً جديداً من هشاشة سكان مخيمات تندوف، الذين يعيشون في ظروف محدودة الفرص وتحت قبضة مليشيات البوليساريو، ويصبحون أكثر عرضة للإغراءات التي تعدهم بتحسين أوضاعهم المالية بسرعة.

فالوعود بتحقيق أرباح استثنائية تجد بيئة مناسبة عندما تقل فرص العمل والاستثمار القانوني، وحين لا تتوفر خدمات مالية موثوقة أو توعية كافية بمخاطر العروض غير الواقعية.

وحتى تتضح الحقيقة كاملة، تظل الوقائع المتداولة في دائرة الشبهات التي تحتاج إلى تحقيق مستقل وشفاف، مع الحفاظ على حقوق المتضررين وعدم تقديم الاتهامات باعتبارها أحكاماً نهائية.

غير أن ما بات ثابتاً هو وجود مودعين يطالبون بأموالهم، وشركة توقفت عن الوفاء بالتزاماتها، ومدير اختفى بعد الأزمة، ووعود بعائدات مرتفعة بصورة تثير أكثر من علامة استفهام.

وبين حجم الخسائر المنتظرة وغموض مصير الأموال، تتحول قضية «إنفرافيست» من انهيار شركة إلى اختبار جديد لواقع الرقابة والعدالة داخل مخيمات تندوف، ولقدرة الجهات المسيطرة عليها على حماية السكان من الاستغلال المالي وإعادة حقوقهم.