فتيحة شاطر
بعد سنوات من الأشغال والاستثمارات الكبرى، بدأت ملامح التحول الاقتصادي تظهر بوضوح في إقليم الناظور، مع اقتراب ميناء الناظور غرب المتوسط من استقبال أولى السفن التجارية، بالتزامن مع تقدم أشغال الطريق السيار كرسيف–الناظور، الذي سيؤمّن ربط المركب المينائي بالشبكة الوطنية للطرق السيارة.
وأصبحت المحطة الشرقية للحاويات بميناء الناظور غرب المتوسط جاهزة لاستقبال أولى السفن التجارية، بعدما أعلنت شركة «ويست ميد كونتينر تيرمينال»، المكلفة باستغلالها، يوم 10 شتنبر، نجاح الاختبارات التشغيلية التي أُجريت بعد أشهر من التحضير.
ويعني استكمال هذه الاختبارات انتقال المحطة من مرحلة التجهيز إلى الاستعداد الفعلي لانطلاق النشاط التجاري. ولم تقتصر العملية على تركيب الرافعات وتجهيز الأرصفة، بل شملت اختبار مختلف مراحل التشغيل في ظروف حقيقية، من خلال رسو سفينة تجريبية داخل المحطة للتأكد من جاهزية المعدات والأنظمة، وتنسيق عمل الفرق، وقدرة مختلف المصالح على الاشتغال بشكل متكامل.
وبحسب الشركة، فقد استُكملت هذه الاستعدادات قبل الموعد المحدد في الجدول الزمني الأولي، لتصبح المحطة قادرة على استقبال ومناولة أولى السفن التجارية، بما فيها سفن الحاويات العملاقة.
وتتوفر المحطة الشرقية على رصيف يبلغ طوله نحو 1525 مترًا، بعمق يصل إلى 18 مترًا، ومساحات تناهز 70 هكتارًا. وعند اكتمال مختلف مراحلها، ستصل قدرتها الاستيعابية إلى نحو 3.4 ملايين حاوية نمطية سنويًا، كما ستُجهز بـ15 رافعة رصيفية و45 رافعة مخصصة لساحات التخزين.
ولا تقتصر أهمية ميناء الناظور غرب المتوسط على حجم الحاويات التي سيتمكن من استقبالها ومناولتها، إذ صُمم المشروع ليكون مركبًا مينائيًا وصناعيًا ولوجستيًا متكاملًا، يضم إلى جانب محطات الحاويات منشآت متخصصة في المحروقات والبضائع المختلفة، فضلًا عن مناطق صناعية ولوجستية مرتبطة بالميناء.
ويكشف هذا التصور أن الهدف لا يقتصر على استقبال السفن ونقل البضائع إلى وجهات أخرى، بل يشمل أيضًا جذب الأنشطة الصناعية والاستثمارات الاقتصادية إلى المنطقة. ومع دخول الميناء مرحلة التشغيل، ستتمكن الشركات الموجودة في المناطق الصناعية المحيطة من الوصول بسهولة أكبر إلى الخطوط البحرية الدولية، كما يُرتقب أن تستقطب المنطقة استثمارات جديدة مرتبطة بالتصدير والاستيراد والنقل والخدمات اللوجستية.
وأثار الموقع الجغرافي للميناء اهتمام عدد من وسائل الإعلام والتحليلات الإسبانية المتخصصة في النقل البحري، بالنظر إلى قربه من المسارات البحرية الدولية التي تربط غرب البحر الأبيض المتوسط بشماله.
وسيشكل ميناء الناظور غرب المتوسط، إلى جانب ميناء طنجة المتوسط، منصة مغربية جديدة للمناولة وإعادة التصدير، وهو ما دفع بعض التحليلات الإسبانية إلى التحذير من تصاعد المنافسة أمام موانئ الضفة الشمالية للمتوسط، وفي مقدمتها ميناء الجزيرة الخضراء.
أما بالنسبة إلى مليلية، فإن التأثير المنتظر يرتبط بمستقبل نشاطها التجاري واللوجستي، إذ من شأن وجود ميناء كبير وقريب، مرتبط بشبكة طرق حديثة ومناطق صناعية، أن يقلل تدريجيًا من أهمية بعض الأدوار التجارية التي ظلت المدينة تؤديها تاريخيًا.
غير أن حجم هذا التأثير سيبقى مرتبطًا بقدرة ميناء الناظور غرب المتوسط على استقطاب خطوط بحرية دولية وحركة تجارية مهمة بعد دخوله مرحلة التشغيل الفعلي.
وحتى يتمكن الميناء من الوصول إلى العمق المغربي، يظل ربطه بشبكة طرق سريعة عنصرًا أساسيًا في نجاحه. وهنا تبرز أهمية الطريق السيار كرسيف–الناظور، الذي سيمثل أحد أهم الممرات البرية الرابطة بين المركب المينائي والمراكز الاقتصادية داخل المملكة.
فالميناء يستطيع استقبال السفن والحاويات، لكن نقل البضائع نحو المناطق الداخلية، أو نقل المنتجات الصناعية والفلاحية المغربية إلى الميناء، يتطلب طريقًا سريعًا وفعالًا يقلص المدة والكلفة.
ويمتد مشروع الطريق السيار كرسيف–الناظور على مسافة تناهز 104 كيلومترات، بكلفة إجمالية تقارب 7.8 مليارات درهم، وهو مقسم إلى ثلاثة مقاطع رئيسية.
وتتركز آخر المستجدات على المقطع الثالث، باعتباره الجزء الأقرب إلى ميناء الناظور غرب المتوسط. ويمتد هذا المقطع على مسافة تقارب 27 كيلومترًا، ويربط الطريق الوطنية رقم 2، على مستوى بدال الدريوش، بالطريق الوطنية رقم 16، ولا تفصله عن المركب المينائي سوى نحو ثمانية كيلومترات.
وبحسب آخر المعطيات المنشورة بتاريخ 13 شتنبر، تجاوزت نسبة إنجاز هذا المقطع 95 في المائة، فيما تتركز الأشغال الحالية على وضع التشوير الأفقي والعمودي واستكمال اللمسات التقنية الأخيرة، ما يجعله قريبًا جدًا من الجاهزية.
وتطلب إنجاز هذا الجزء تنفيذ كميات كبيرة من أشغال الحفر والردم، إلى جانب بناء منشآت فنية لعبور الأودية، وممرات علوية وسفلية، فضلًا عن إحداث بدال طرقي ومحطة للأداء.
أما المقطع الثاني، فيمتد على مسافة تقارب 40 كيلومترًا ويربط الطريق الوطنية رقم 2 بمنطقة صاكة. وقد انطلقت أشغاله في يناير 2026، وبلغت نسبة إنجازه نحو 8 في المائة.
ويتطلب هذا المقطع مجهودات هندسية استثنائية بالنظر إلى طبيعة التضاريس والمنشآت المبرمجة، ومن المنتظر أن تتواصل أشغاله إلى غاية سنة 2028.
ويمتد المقطع الأول، الرابط بين كرسيف وصاكة، على مسافة تقارب 36 كيلومترًا، فيما تتواصل الإجراءات المرتبطة به تمهيدًا لانطلاق الأشغال.
ولا يهدف الطريق السيار الجديد إلى اختصار المسافة فقط، بل سيمنح ميناء الناظور غرب المتوسط منفذًا سريعًا نحو الطريق السيار فاس–وجدة، ومنه إلى عدد من المراكز الاقتصادية الكبرى في المغرب.
كما سيساهم في تقليص مدة الرحلة بين الميناء والشبكة الوطنية للطرق السيارة، وخفض تكاليف نقل البضائع، خاصة بالنسبة إلى الشاحنات التي ستتولى نقل الحاويات والمنتجات الصناعية والفلاحية من المركب المينائي وإليه.
ومن أبرز خصائص هذا المشروع اعتماده على مقاولات وكفاءات مغربية، انطلاقًا من شركات البناء والتشييد، مرورًا بالمختبرات ومكاتب الدراسات المتخصصة، وصولًا إلى فرق المراقبة وتتبع جودة الأشغال.
وبذلك، لا يتعلق ما يحدث في الناظور بمشروع ميناء منعزل أو طريق سيار منفصل، بل بمنظومة اقتصادية متكاملة تضم ميناء يستعد لاستقبال السفن التجارية، وطريقًا سيارًا يربطه بالشبكة الوطنية، ومناطق صناعية ولوجستية ستستفيد من هذه البنية التحتية الجديدة.
ومع اقتراب التشغيل التجاري لميناء الناظور غرب المتوسط وتقدم أشغال الطريق السيار كرسيف–الناظور، تدخل المنطقة مرحلة اقتصادية مختلفة، قد تجعل منها إحدى أهم بوابات المغرب على البحر الأبيض المتوسط، وتعزز موقع المملكة في خريطة التجارة والنقل البحري الدوليين.








