نسرين الدهان
رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، لتستقر ضمن نطاق يتراوح بين 3.75 و4 في المائة، في أول زيادة منذ يوليوز 2023، معلنًا بذلك عودة السياسة النقدية الأمريكية إلى التشديد بعد مرحلة من خفض تكاليف الاقتراض وتثبيتها.
وجاء القرار بإجماع أعضاء اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، في خطوة تعكس حجم القلق داخل البنك المركزي من استمرار التضخم عند مستويات أعلى من الهدف المحدد في 2 في المائة، رغم متانة النشاط الاقتصادي واستقرار سوق الشغل.
وأكد الفيدرالي أن الاقتصاد الأمريكي يواصل النمو بوتيرة قوية، مدعومًا بصمود الإنفاق الداخلي وارتفاع الإنتاجية وقوة الاستثمارات، بينما ظلت معدلات البطالة مستقرة نسبيًا. غير أن استمرار الضغوط على الأسعار دفع صناع القرار إلى التدخل من جديد لاحتواء التضخم ومنع تحوله إلى وضع دائم يصعب التحكم فيه. بيان مجلس الاحتياطي الفيدرالي
ويمثل هذا القرار أول اختبار كبير لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الجديد كيفن وورش، الذي أكد أن التضخم بقي مرتفعًا لفترة أطول مما ينبغي، وأن إعادة استقرار الأسعار تتطلب سياسة نقدية أكثر صرامة، حتى لو أدى ذلك إلى إبقاء تكاليف الاقتراض مرتفعة خلال المرحلة المقبلة.
عودة مفاجئة إلى التشديد النقدي
كان الفيدرالي قد رفع الفائدة في يوليوز 2023 إلى نطاق تراوح بين 5.25 و5.50 في المائة، قبل أن ينهي دورة التشديد ويتجه لاحقًا إلى خفضها مع تراجع معدلات التضخم. وبعد خمسة اجتماعات متتالية أبقى خلالها الفائدة دون تغيير، قرر هذه المرة العودة إلى الرفع، في إشارة إلى أن الضغوط التضخمية استعادت قوتها.
ويعكس التحول الجديد اقتناعًا داخل البنك المركزي بأن مستويات الفائدة السابقة لم تعد كافية لتحقيق عودة سريعة للتضخم نحو الهدف. كما يعني أن الرهان على تراجع الأسعار بصورة تلقائية، من دون تدخل إضافي، لم يعد يحظى بثقة أغلبية صناع السياسة النقدية.
وأظهرت توقعات الفيدرالي أن 16 من أصل 18 مسؤولًا يرجحون تنفيذ زيادة إضافية واحدة على الأقل قبل نهاية السنة، بينما رُفعت توقعات التضخم إلى نحو 3.7 في المائة، مع احتمال بقائه أعلى من الهدف حتى سنة 2029. وفي المقابل، رفع البنك توقعاته للنمو الاقتصادي إلى 2.3 في المائة، وخفض تقديراته للبطالة إلى 4.1 في المائة، ما يوحي بأنه يرى أن الاقتصاد قادر على تحمل تكاليف اقتراض أعلى دون السقوط سريعًا في الركود. تفاصيل القرار والتوقعات
الطاقة والتوترات الدولية يعيدان إشعال التضخم
تأتي عودة الفيدرالي إلى رفع الفائدة في ظل أوضاع دولية شديدة الاضطراب، بعدما تسببت الحرب في الشرق الأوسط في زيادة المخاوف بشأن إمدادات الطاقة وارتفاع تكاليف النفط والنقل والإنتاج.
ولا تتوقف آثار ارتفاع أسعار الطاقة عند محطات الوقود، بل تمتد إلى أسعار المواد الغذائية والصناعة والشحن الجوي والبحري، ثم تنتقل تدريجيًا إلى المستهلك النهائي. وهذا ما يثير مخاوف البنك المركزي من انتشار التضخم في مختلف قطاعات الاقتصاد بدل بقائه محصورًا في الطاقة.
وتضاف إلى ذلك السياسات التجارية والرسوم الجمركية التي ترفع تكلفة السلع المستوردة، فضلًا عن طفرة الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي وما ترافقها من طلب ضخم على الطاقة ومراكز البيانات والرقائق والبنيات التحتية.
ورغم أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يساهم في رفع الإنتاجية وتحفيز النمو، فإن توسع الإنفاق بوتيرة سريعة قد يخلق ضغوطًا إضافية على الأسعار والأجور والطاقة، وهو ما يضع الفيدرالي أمام معادلة صعبة: كيف يكبح التضخم من دون إضعاف أحد أبرز محركات النمو الأمريكي؟
قرار يصطدم برغبة ترامب
يحمل رفع الفائدة أبعادًا سياسية لا تقل أهمية عن آثاره الاقتصادية، إذ جاء في اتجاه معاكس لمطالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي دعا مرارًا إلى تخفيض أسعار الفائدة من أجل تنشيط الاقتصاد وتقليص تكلفة القروض العقارية وتمويل الشركات.
وكان ترامب قد اختار كيفن وورش لرئاسة الفيدرالي وسط توقعات بأن يتبنى سياسة أكثر مرونة من سلفه. غير أن أول قرار كبير في عهده جاء برفع الفائدة وبإجماع أعضاء اللجنة، ما قد يفتح مواجهة جديدة بين البيت الأبيض والبنك المركزي.
ويتمسك الفيدرالي باستقلاليته عن السلطة التنفيذية، مؤكدًا أن قراراته تُبنى على مؤشرات التضخم والنمو والتشغيل، وليس على رغبات الإدارة الأمريكية أو حسابات الانتخابات. وفي المقابل، يرى ترامب أن استمرار الفائدة المرتفعة يضر بالأسر والشركات ويجعل تمويل الدين الأمريكي أكثر تكلفة.
ويكتسب الخلاف حساسية أكبر مع اقتراب الانتخابات النصفية، في وقت يشعر فيه الأمريكيون بثقل ارتفاع الأسعار والقروض العقارية، ما يجعل السياسة النقدية جزءًا من الصراع السياسي الداخلي.
ماذا يعني القرار للأسر والشركات؟
تنعكس زيادة الفائدة تدريجيًا على معظم أشكال الاقتراض داخل الولايات المتحدة، من القروض العقارية وبطاقات الائتمان إلى تمويل السيارات والمشروعات التجارية.
وبالنسبة إلى الأسر، يعني القرار أن الحصول على قرض جديد قد يصبح أكثر تكلفة، كما سترتفع الأعباء على أصحاب الديون المرتبطة بفوائد متغيرة. وقد يؤدي ذلك إلى تراجع الطلب على المنازل والسيارات والسلع ذات القيمة المرتفعة.
أما الشركات، خصوصًا الصغيرة والمتوسطة، فستواجه تكلفة أعلى للحصول على التمويل الضروري للاستثمار والتوسع والتوظيف. وقد تدفع هذه الأعباء بعض المؤسسات إلى تأجيل مشاريعها أو تقليص النفقات، وهو ما قد يبطئ الاقتصاد إذا استمرت الفائدة المرتفعة مدة طويلة.
في المقابل، يستفيد المدخرون من تحسن العائد على الودائع وبعض المنتجات المالية، فيما تتعرض القطاعات الأكثر اعتمادًا على الاقتراض، مثل العقارات والتكنولوجيا والشركات الناشئة، لضغوط أكبر.
تداعيات تتجاوز الاقتصاد الأمريكي
لا تبقى قرارات الفيدرالي محصورة داخل الولايات المتحدة، لأن الدولار يمثل العملة الرئيسية في التجارة والتمويل العالميين. وعندما ترتفع الفائدة الأمريكية، تتجه رؤوس الأموال عادةً نحو الأصول المقومة بالدولار بحثًا عن عائد أعلى، ما قد يؤدي إلى ارتفاع قيمة العملة الأمريكية.
وقوة الدولار تجعل واردات الطاقة والمواد الأولية أكثر تكلفة بالنسبة إلى الدول التي تعتمد عليه في معاملاتها الخارجية. كما تزيد أعباء الدول والشركات التي اقترضت بالدولار، خصوصًا في الاقتصادات الناشئة.
وقد تجد البنوك المركزية الأخرى نفسها أمام خيارات صعبة؛ فإما أن تحافظ على أسعار فائدة مرتفعة لحماية عملاتها ومنع خروج رؤوس الأموال، أو تتجه إلى الخفض لدعم النمو مع تحمل مخاطر تراجع العملة وعودة التضخم.
وبالنسبة إلى الدول المستوردة للنفط، فإن اجتماع ارتفاع أسعار الطاقة مع قوة الدولار يشكل ضغطًا مزدوجًا على الميزانيات والاحتياطات وأسعار الاستهلاك.
الأسواق تترقب الخطوة المقبلة
كان رد فعل الأسواق الأولي محدودًا نسبيًا، مع تحركات في عائدات سندات الخزانة الأمريكية وأسواق الأسهم. غير أن المستثمرين يركزون حاليًا على ما إذا كانت الزيادة الحالية خطوة منفردة أم بداية دورة جديدة من رفع الفائدة.
وستتوقف الخطوات المقبلة على تطور مؤشرات التضخم وأسعار الطاقة وقوة سوق الشغل والإنفاق الاستهلاكي. فإذا استمرت الأسعار في الارتفاع، فقد يجد الفيدرالي نفسه مضطرًا إلى زيادة جديدة قبل نهاية السنة. أما إذا ظهرت مؤشرات قوية على تباطؤ التضخم أو ضعف النشاط الاقتصادي، فقد يختار التوقف مؤقتًا لتقييم النتائج.
لكن الرسالة الأساسية التي بعث بها القرار تبدو واضحة: أولوية البنك المركزي الأمريكي في المرحلة الحالية هي استعادة استقرار الأسعار، حتى لو اصطدمت هذه السياسة برغبة البيت الأبيض وأبقت تكلفة الاقتراض مرتفعة.
وبذلك، لا يمثل رفع الفائدة مجرد تعديل تقني بمقدار ربع نقطة، بل إعلانًا عن دخول الاقتصاد الأمريكي مرحلة جديدة عنوانها تشديد السياسة النقدية، في عالم تتداخل فيه الحروب والطاقة والرسوم الجمركية وثورة الذكاء الاصطناعي مع الحسابات السياسية الداخلية.







