فتيحة شاطر
تزامنًا مع انطلاق الموسم الدراسي الجديد، عاد الانتشار المتزايد للكلاب الضالة في مدينة فاس ليثير مخاوف واسعة في صفوف الأسر، بعدما أصبحت مجموعات منها تجوب الشوارع والأحياء السكنية وتتمركز بالقرب من عدد من المؤسسات التعليمية، في مشهد يهدد سلامة التلاميذ ويضع الجهات المسؤولة أمام مطالب متزايدة بالتدخل العاجل.
وتكمن خطورة الوضع في اضطرار آلاف التلاميذ إلى التنقل نحو مدارسهم خلال ساعات الصباح الباكر، والعودة إلى منازلهم أحيانًا بعد حلول الظلام، في وقت تشهد فيه بعض الأزقة والطرق المؤدية إلى المؤسسات التعليمية انتشارًا لافتًا للكلاب الضالة، بعضها يتحرك في مجموعات ويطارد الراجلين والدراجات.
وأصبح الخوف من التعرض للعض أو المطاردة هاجسًا يوميًا بالنسبة إلى عدد من الأطفال وأوليائهم، خاصة في الأحياء التي تعرف ضعفًا في الإنارة أو انتشارًا للنفايات وبقايا الأطعمة، وهي عوامل تساعد على تجمع الكلاب وتكاثرها. ولم يعد الأمر يتعلق، وفق متضررين، بمظاهر عابرة يمكن تجاهلها، وإنما بمشكلة تمس الأمن الصحي والجسدي والنفسي للساكنة.
وحتى في الحالات التي لا تنتهي فيها المطاردة بعضة مباشرة، فإن حالة الهلع التي تصيب الأطفال قد تدفعهم إلى السقوط أو الفرار نحو الطريق، بما يعرضهم لحوادث السير وإصابات خطيرة. كما قد تؤدي رؤية الكلاب مجتمعة قرب أبواب المدارس إلى إحجام بعض التلاميذ، خصوصًا في المستويات الابتدائية، عن الذهاب إلى مؤسساتهم دون مرافقة أحد أفراد الأسرة.
ويزداد القلق بالنظر إلى الأخطار الصحية المرتبطة بعضات الحيوانات غير الملقحة، وفي مقدمتها داء السعار، ما يجعل التصدي للظاهرة قضية للصحة العامة، وليس مجرد تدخل موسمي لجمع الكلاب من الشوارع. وتشير معطيات رسمية سابقة إلى أن أعدادًا كبيرة من المواطنين تضطر سنويًا إلى تلقي العلاج والتلقيح بعد التعرض للعض أو الاحتكاك بحيوانات يُشتبه في إصابتها.
وفي هذا السياق، وجهت فعاليات مدنية وحقوقية نداءً إلى مختلف المسؤولين في فاس، مطالبة المجالس المنتخبة والسلطات المحلية والمصالح البيطرية والصحية والأمنية بالتعامل مع الوضع بالجدية التي يفرضها، ووضع برنامج استعجالي لتأمين محيط المؤسسات التعليمية والطرق التي يسلكها التلاميذ.
وأكدت الفعاليات ذاتها أن انتظار وقوع حادث خطير قبل التحرك لا يمكن أن يكون خيارًا مقبولًا، داعية إلى إطلاق حملات ميدانية منتظمة لرصد أماكن تجمع الكلاب، والتدخل بناءً على خريطة واضحة تشمل الأحياء الأكثر تضررًا، بدل الاكتفاء بحملات متقطعة تنقل المشكلة من منطقة إلى أخرى دون معالجة أسبابها.
كما طالبت بإيلاء الأولوية للمدارس ورياض الأطفال والملاعب والحدائق ومحطات النقل والأحياء السكنية المكتظة، مع توفير قنوات واضحة وسريعة لتلقي شكايات المواطنين والتفاعل معها، ونشر أرقام المصالح المكلفة بالتدخل حتى تتمكن الأسر وإدارات المؤسسات التعليمية من الإبلاغ عن الحالات التي تشكل خطرًا مباشرًا.
وتأتي هذه المطالب في وقت اتجه فيه المغرب إلى تعزيز إطاره القانوني والمؤسساتي المتعلق بحماية الحيوانات الضالة والوقاية من أخطارها، من خلال اعتماد مقاربة تقوم على جمع الحيوانات ونقلها إلى مراكز مختصة، وإخضاعها للفحص والتعقيم والتلقيح والترقيم، مع توفير الإيواء والرعاية للحالات التي تستدعي ذلك.
وكان المغرب قد تبنى منذ سنة 2019 مقاربة تقوم على الإمساك بالكلاب وتعقيمها وتلقيحها قبل التعامل معها وفق الضوابط الصحية، باعتبارها وسيلة للحد التدريجي من تكاثرها ومواجهة داء السعار، مع التوفيق بين حماية المواطنين وعدم تعريض الحيوانات للقتل أو المعاملة القاسية. كما صادق مجلس المستشارين في يوليوز 2026 على مشروع القانون رقم 19.25 المتعلق بحماية الحيوانات الضالة والوقاية من أخطارها. وكالة أسوشيتد برس، تفاصيل مشروع القانون
غير أن نجاح هذه المقاربة يظل مرتبطًا بتوفير الإمكانات البشرية والمالية واللوجيستية الضرورية، وإنشاء مراكز مجهزة للإيواء والتعقيم والتلقيح، إلى جانب مراقبة النفايات ومصادر الغذاء التي تجذب الكلاب إلى التجمعات السكنية. فجمع الحيوانات دون معالجة أسباب انتشارها لن يؤدي سوى إلى ظهور مجموعات جديدة بعد مدة قصيرة.
وتتحمل جماعة فاس مسؤولية أساسية في تدبير الظاهرة، إلى جانب السلطات والمصالح المختصة، خصوصًا أن القضاء الإداري سبق أن نظر في دعاوى رفعها ضحايا عضات كلاب ضالة ضد الجماعات الترابية، استنادًا إلى مسؤوليتها عن حفظ الصحة والنظافة والسلامة داخل المجال الحضري. وقد سجلت المحكمة الإدارية بفاس عشرات الدعاوى المرتبطة بعضات الكلاب خلال الفترة الممتدة من بداية سنة 2025 إلى مارس 2026. معطيات الدعاوى أمام إدارية فاس
ولا ينبغي أن يتحول النقاش إلى مواجهة زائفة بين حماية الإنسان والرفق بالحيوان، إذ يمكن اعتماد حلول تحمي الطرفين في الوقت نفسه. فسلامة الأطفال تقتضي إبعاد الكلاب التي تشكل خطرًا عن محيط المدارس، بينما تفرض المبادئ القانونية والإنسانية معالجتها داخل مراكز مؤهلة، وتلقيحها وتعقيمها ومنع تعريضها للتسميم أو القتل العشوائي.
وأمام اتساع الظاهرة، تنتظر ساكنة فاس إجراءات ملموسة على الأرض، تبدأ بتأمين المؤسسات التعليمية ولا تنتهي إلا بإرساء منظومة مستدامة تمنع تكاثر الكلاب وتحد من مصادر تجمعها. فالمسألة لم تعد تحتمل الوعود أو التدخلات المؤقتة، لأن أي تأخر قد يحول المخاوف الحالية إلى حادث مأساوي كان بالإمكان تفاديه.



