كوثر بوجوال
توجت جائزة الشيخ زايد للكتاب، في دورتها العشرين، الباحث المغربي مصطفى رجوان ضمن الفائزين الذين جرى تكريمهم، يوم الأربعاء 16 شتنبر 2026، خلال حفل أقيم في إطار فعاليات الدورة الخامسة والثلاثين من معرض أبوظبي الدولي للكتاب، المنظم بين 13 و18 شتنبر الجاري.
وفاز رجوان بجائزة فرع «المؤلف الشاب» عن كتابه «حبكات وشخصيات: المقاربة البلاغية الحجاجية للرواية العربية»، الصادر سنة 2025 عن دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع، في تتويج يسلط الضوء على حضور البحث المغربي داخل واحدة من أبرز الجوائز الثقافية العربية.
ويقدم الكتاب مقاربة نقدية تستعيد البلاغة باعتبارها أداة لتحليل السرد الحديث، من خلال تأصيل نظري ينفتح على التراث البلاغي العربي ويدخله في حوار مع المنجز الغربي، قبل الانتقال إلى تطبيقات تكشف آليات بناء الحبكة وتشكيل الشخصيات من منظور حجاجي منظم.
مصطفى رجوان يعيد البلاغة إلى قلب الرواية
تنطلق أهمية عمل مصطفى رجوان من محاولته تجاوز التعامل مع البلاغة باعتبارها مجموعة من الصور والأساليب المنفصلة عن بنية النص، ليقدمها بوصفها علما حيا قادرا على تفكيك الرواية وفهم طريقة إنتاجها للمعنى والتأثير في القارئ.
كما يمنح الحوار بين التراث العربي والمنجز الغربي الدراسة بعدا مقارنا، إذ لا يتعامل المؤلف مع البلاغة القديمة باعتبارها معرفة مكتملة تنتمي إلى الماضي، ولا مع المناهج الغربية باعتبارها بديلا وحيدا، بل يسعى إلى إنتاج أدوات تحليل تجمع بين الرصيدين.
تتويج للبحث المغربي الشاب
يحمل فوز رجوان دلالة خاصة لكونه جاء في فرع «المؤلف الشاب»، الذي يراهن على الأعمال القادرة على تقديم إضافة معرفية بلغة ومنهج يفتحان مسارات جديدة أمام البحث. كما يمنح التتويج كتابه فرصة للوصول إلى دائرة أوسع من القراء والباحثين المهتمين بالسرد والبلاغة والنقد.
ولا يقف أثر الجائزة عند الاعتراف الفردي بالمؤلف، بل يمتد إلى إبراز قدرة الجامعة والبحث المغربيين على الحضور في النقاشات النقدية العربية المعاصرة. ويصبح الكتاب، بهذا التتويج، جزءا من حوار أوسع حول تجديد أدوات قراءة الرواية العربية وتطوير البلاغة الحديثة.
الآداب والترجمة والفنون النقدية
في فرع «الآداب»، عادت الجائزة إلى الكاتب المصري أشرف العشماوي عن روايته «مواليد حديقة الحيوان»، الصادرة سنة 2024 عن الدار المصرية اللبنانية، لتنضم إلى قائمة الأعمال الأدبية التي اختارتها الدورة العشرون ضمن إنتاجها الفائز.
أما جائزة «الترجمة»، ففازت بها الباحثة العراقية الأمريكية نوال نصر الله، عن نقلها من العربية إلى الإنجليزية كتاب «أنواع الصيدلة في ألوان الأطعمة»، وهو اختيار يبرز دور الترجمة في تقديم جانب من التراث المعرفي العربي إلى القارئ باللغة الإنجليزية.
وفي فرع «الفنون والدراسات النقدية»، فاز الأردني زهير توفيق عن كتابه «إدراك العالم: الصور النمطية المتبادلة بين الأنا والآخر»، الصادر سنة 2025 عن «الآن ناشرون وموزعون».
الثقافة العربية بلغات أخرى
ذهبت جائزة فرع «الثقافة العربية في اللغات الأخرى» إلى الكاتب والمترجم والباحث الألماني شتيفان فايدنر عن كتابه «الديوان العربي: أجمل القصائد من العصر الجاهلي وبعده».
ويعكس هذا الفرع اهتمام الجائزة بالأعمال التي تقدم الثقافة العربية إلى قراء من لغات مختلفة، وتوسع حضور الأدب العربي خارج مجاله اللغوي. كما يمنح فوز عمل يهتم بالشعر العربي فرصة لإعادة تقديم امتداده التاريخي والجمالي إلى جمهور دولي.
تكريم النشر والموسوعات
فازت مؤسسة الإمارات للآداب بجائزة فرع «النشر والتقنيات الثقافية»، تقديرا لدورها في تطوير صناعة الأدب وتعزيز حضور الثقافة الإماراتية على المستويين الإقليمي والعالمي.
وفي فرع «المخطوطات والموسوعات والمعاجم»، فاز الباحث المصري محمد الخشت عن موسوعة «الأديان العالمية»، الصادرة سنة 2025 عن جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية في ستة مجلدات.
ويمثل العمل الموسوعي جهدا مختلفا عن التأليف الفردي التقليدي، لأنه يقوم على جمع مادة واسعة وتنظيمها وتقديمها في صيغة مرجعية. ويؤكد تخصيص فرع لهذا النوع من المؤلفات أهمية المشاريع العلمية طويلة النفس في بناء المعرفة وإتاحتها للباحثين والقراء.
نجاة الصغيرة شخصية العام الثقافية
اختارت الدورة العشرون الفنانة المصرية نجاة الصغيرة للفوز بجائزة «شخصية العام الثقافية»، تكريما لمسار واحدة من أبرز القامات الغنائية في العالم العربي.
ويمنح هذا الاختيار الجائزة بعدا يتجاوز الكتاب إلى مختلف أشكال الإبداع المؤثرة في الذاكرة الثقافية العربية. فقد شكلت نجاة الصغيرة بصوتها وأعمالها حضورا بارزا في الأغنية العربية، وارتبط اسمها بتجربة فنية حافظت على مكانتها لدى أجيال متعددة.
أكثر من أربعة آلاف ترشيح
استقطبت الدورة العشرون أكثر من 4.000 ترشيح من 74 بلدا، في مؤشر على اتساع حضور الجائزة وقدرتها على جذب المؤلفين والباحثين والمترجمين والمؤسسات الثقافية من مناطق مختلفة.
ومنذ انطلاق الجائزة سنة 2006، بلغ إجمالي المشاركات نحو 33.000 ترشيح من قرابة 80 دولة. وتعكس هذه الأرقام تطور الجائزة من مبادرة عربية إلى منصة ذات حضور دولي، تدعم الإبداع والتأليف والترجمة وتسهم في ترسيخ الأدب العربي صوتا فاعلا في الثقافة العالمية.
وجرى تكريم الفائزين من طرف الشيخ ذياب بن محمد بن زايد آل نهيان، نائب رئيس ديوان الرئاسة للشؤون التنموية وأسر الشهداء، خلال الحفل الذي نظمه مركز أبوظبي للغة العربية التابع لدائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي.
وتكرم جائزة الشيخ زايد للكتاب المبدعين والمثقفين والناشرين عن إنجازاتهم في مجالات التأليف والبحث والكتابة والترجمة. وقد أكدت دورتها العشرون هذا التنوع، من خلال الجمع بين النقد والرواية والترجمة والشعر والموسوعات والنشر والغناء.
ويضع تتويج مصطفى رجوان اسما مغربيا في قلب هذه الخريطة الثقافية، ويمنح البحث البلاغي الحجاجي اعترافا عربيا بارزا، في دورة احتفت بأعمال وشخصيات ومؤسسات تمثل مسارات متعددة في إنتاج المعرفة وصناعة الثقافة ونقلها بين الأجيال واللغات.




