إعلان
980×90
مساحة إعلانية
أخبار دولية

التأشيرة تتحول إلى سلاح سياسي.. واشنطن تحاصر صوت فلسطين داخل الأمم المتحدة

09:36 · 17/09/2026

نسرين الدهان

للعام الثاني على التوالي، تقرر الولايات المتحدة ألا يصل الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى نيويورك للمشاركة شخصيًا في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. فقد مددت واشنطن القيود المفروضة على منح التأشيرات لمسؤولين في السلطة الفلسطينية وأعضاء في منظمة التحرير، لتغلق مجددًا الطريق أمام عباس إلى أهم منبر دبلوماسي دولي.

القرار الأميركي لا يتعلق بإجراء قنصلي عادي، ولا يمكن اختزاله في رفض تأشيرة دخول. فالولايات المتحدة ليست هنا مجرد دولة يطلب مسؤول أجنبي زيارتها، بل هي البلد المضيف لمقر الأمم المتحدة، والمنع يطال رئيس سلطة تمثل شعبًا يحمل داخل المنظمة صفة دولة مراقب غير عضو.

وبذلك تتحول التأشيرة من وثيقة سفر إلى أداة سياسية تحدد من يستطيع الوصول إلى المنبر الأممي ومن يضطر إلى مخاطبة العالم من خلف شاشة.

وتتهم الإدارة الأميركية السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير بتقويض فرص التسوية عبر اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، والسعي إلى توسيع الاعتراف الدولي بدولة فلسطين بعيدًا عن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. كما تربط واشنطن القيود المفروضة باتهامات تتعلق بعدم تنفيذ إصلاحات سياسية ومالية وباستمرار تقديم مساعدات لعائلات فلسطينيين أدينوا بتنفيذ هجمات ضد إسرائيليين.

لكن جوهر الخلاف يتجاوز هذه الاتهامات. فواشنطن تريد إبقاء القضية الفلسطينية داخل مسار سياسي تتحكم في شروطه وحدوده وتوقيته، بينما تحاول القيادة الفلسطينية تعويض تعثر المفاوضات بنقل المعركة إلى المؤسسات والمحاكم الدولية.

ومن هنا يصبح منع محمود عباس عقوبة على اختيار التدويل. فالولايات المتحدة لا تعترض فقط على مضمون التحركات الفلسطينية، بل تستخدم موقعها دولةً مضيفة للأمم المتحدة لتقليص مستوى التمثيل السياسي الفلسطيني داخل المنظمة نفسها.

المفارقة أن واشنطن تطالب السلطة بالعمل السياسي ورفض العنف، لكنها تعاقبها عندما تلجأ إلى القضاء الدولي والدبلوماسية الأممية. فالتحرك أمام محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية لا يستخدم الصواريخ ولا يفتح جبهة عسكرية، وإنما يستند إلى قواعد ومؤسسات أُنشئت أصلًا لمعالجة النزاعات بالوسائل القانونية.

ومع ذلك، تنظر الإدارة الأميركية إلى هذه التحركات بوصفها تهديدًا للمصالح الإسرائيلية ومحاولة لفرض نتائج سياسية خارج المفاوضات. أما الفلسطينيون، فيرون أن المفاوضات التي احتكرتها واشنطن لعقود لم توقف الاستيطان ولم تنهِ الاحتلال ولم تؤد إلى إقامة دولتهم، ولذلك لم يعد من الممكن مطالبتهم بانتظار مسار لا يملك موعدًا ولا ضمانات.

ويضع القرار الأميركي اتفاقية مقر الأمم المتحدة تحت الاختبار. فهذه الاتفاقية تنظم التزامات الدولة المضيفة وتفترض تسهيل وصول ممثلي الدول والوفود إلى مقر المنظمة في نيويورك، حتى عندما تكون علاقاتهم بواشنطن متوترة أو معدومة.

غير أن الولايات المتحدة تتمسك بحقها في رفض دخول أشخاص تراهم خطرًا على أمنها أو تعتبر وجودهم متعارضًا مع سياستها الخارجية. وبين الالتزام الأممي والتفسير الأميركي الواسع للاستثناءات، يظهر فراغ تستغله واشنطن لفرض قرارها، بينما تبدو الأمم المتحدة عاجزة عن ضمان وصول أحد أبرز المتحدثين المرتبطين بقضية حاضرة باستمرار على جدول أعمالها.

ولا يؤدي منع عباس إلى إسكات الحضور الفلسطيني بالكامل، إذ يستمر عمل البعثة الفلسطينية الدائمة في نيويورك، كما يمكن اللجوء إلى كلمة مسجلة إذا وافقت الجمعية العامة على ذلك. لكن الحضور عبر الشاشة لا يساوي وجود الرئيس الفلسطيني داخل القاعة وبين قادة الدول.

فالجمعية العامة ليست منصة لإلقاء الخطب فقط، بل مساحة للقاءات الثنائية والتحركات الدبلوماسية وبناء المواقف. وغياب عباس يعني حرمان القيادة الفلسطينية من فرصة التواصل المباشر مع الوفود الدولية خلال أيام تشهد أكبر تجمع سياسي سنوي في العالم.

كما يحمل تكرار المنع دلالة أبعد من الغياب عن دورة واحدة. ففي المرة الأولى كان من الممكن تقديم القرار باعتباره إجراءً استثنائيًا مرتبطًا بظروف سياسية محددة، أما تكراره للعام الثاني فيحوله إلى سياسة ثابتة تهدف إلى خفض مستوى التمثيل الفلسطيني في الأمم المتحدة.

وهذا المسار يهدد بإنتاج قاعدة غير مكتوبة تسمح للدولة المضيفة باستخدام التأشيرات لتحديد هوية المشاركين في اجتماعات المنظمة الدولية. وإذا أصبح الوصول إلى مقر الأمم المتحدة خاضعًا بالكامل لمواقف واشنطن السياسية، فإن استقلالية المنظمة نفسها تصبح موضع تساؤل.

فالمنظمة الدولية أُنشئت لتكون مساحة تجتمع فيها الأطراف المتخاصمة، لا مكانًا لا يدخله إلا من توافق عليهم الدولة المضيفة. كما أن قيمة المنبر الأممي تكمن في قدرته على استقبال الأصوات التي تختلف معها القوى الكبرى، وليس فقط الوفود التي تنسجم مع سياساتها.

ويكشف القرار أيضًا حجم الاختلال في العلاقة بين واشنطن والسلطة الفلسطينية. فالولايات المتحدة قدمت نفسها طويلًا بوصفها الوسيط القادر على دفع عملية السلام، لكنها تتعامل اليوم مع التحرك الدبلوماسي الفلسطيني باعتباره عملًا يستوجب العقاب. وفي المقابل، لم تعد القيادة الفلسطينية ترى في الوساطة الأميركية طريقًا كافيًا للوصول إلى الدولة، فاتجهت بصورة أكبر نحو الاعترافات الدولية والمؤسسات القضائية.

وبهذا انتقل الخلاف من مضمون التسوية إلى حق الفلسطينيين في اختيار أدواتهم السياسية. واشنطن تريد مفاوضات تجري ضمن سقف تحدده، والسلطة الفلسطينية تريد استخدام الشرعية الدولية للضغط على إسرائيل. وبين الطرفين، أصبحت التأشيرة الأميركية وسيلة لمعاقبة القيادة الفلسطينية على خروجها عن المسار الذي تفضله الإدارة الأميركية.

وقد تحقق واشنطن من خلال المنع مكسبًا سياسيًا قصير المدى لإسرائيل عبر تقليص الحضور الشخصي لعباس، لكنها في الوقت نفسه تمنح الخطاب الفلسطيني حجة إضافية. فالسلطة تستطيع أن تقدم ما جرى بوصفه دليلًا على أن الولايات المتحدة لا تضغط على الفلسطينيين عسكريًا وماليًا فقط، بل تسعى كذلك إلى تقييد قدرتهم على عرض قضيتهم أمام المجتمع الدولي.

وهكذا يجد محمود عباس نفسه ممنوعًا من الوصول إلى مقر منظمة تعترف بفلسطين دولةً مراقبة، بينما تستطيع إسرائيل، القوة القائمة بالاحتلال، المشاركة الكاملة في الاجتماعات والدفاع عن سياساتها من داخل القاعة. وهذه الصورة وحدها كافية لإبراز حجم التفاوت الذي يحكم التعامل مع طرفي الصراع.

لن يمنع القرار الأميركي القضية الفلسطينية من الوصول إلى الجمعية العامة، لكنه سيجعل وصولها مشروطًا ومقيدًا. سيظهر عباس على الشاشة بدل أن يقف على المنبر، وستبقى البعثة الفلسطينية حاضرة، لكن من دون أعلى تمثيل سياسي لها داخل نيويورك.

وبين رئيس فلسطيني ممنوع من السفر ومنبر أممي يفترض أنه مفتوح لجميع الشعوب، تتحول التأشيرة إلى عنوان لمعركة أكبر: من يملك حق تحديد صوت فلسطين، ومن يقرر شكل حضورها، وهل تستطيع الأمم المتحدة حماية استقلال منبرها داخل أراضي أقوى دولة مؤثرة في قراراتها؟