إعلان
980×90
مساحة إعلانية
فن

بروكسل تحتفي بالموسيقى المغربية في افتتاح أوركسترا مغاربية

09:48 · 17/09/2026

هجر إمغري

تستعد العاصمة البلجيكية بروكسل لاستقبال نغمات الموسيقى المغربية في موعد فني ينتظر أن يجمع بين أصالة التراث المغاربي وروح التوزيع الموسيقي الحديث، وذلك يوم 7 أكتوبر المقبل، تزامنا مع افتتاح مشروع «الأوركسترا المغاربية ببروكسل»، الذي يسعى إلى تقديم مساحة جديدة للتقاليد الموسيقية لشمال إفريقيا داخل المشهد الثقافي الأوروبي.

ويحمل هذا الموعد الموسيقي خصوصية واضحة، ليس فقط بسبب طبيعة المشروع الذي يفتح الباب أمام لقاء مدارس موسيقية متعددة، وإنما أيضا من خلال الحضور المغربي البارز في أولى محطات الأوركسترا، حيث ستتولى الفنانة المغربية سناء مرحاتي تقديم الفصل الأول من المشروع، المخصص للموسيقى المغربية، في حفل يحتضنه مسرح «فلاجي» في بروكسل.

وتشارك في هذا الحدث أكثر من 30 عازفة وعازفا، إلى جانب نحو 20 صوتا شابا من «أكاديمية فلاجي»، فضلا عن موسيقيين من أوركسترا «فيلارمونيك بروكسل» وفنانين ينتمون إلى خلفيات وتقاليد موسيقية مختلفة. ويمنح هذا التنوع للحفل طابعا خاصا، إذ لا يتعلق الأمر بمجرد تقديم مقطوعات مغاربية أمام الجمهور البلجيكي، بل بمحاولة بناء حوار موسيقي بين ثقافات ومدارس فنية متعددة.

وتحضر الآلات المغربية والمغاربية بقوة في هذا التصور، من خلال العود والقانون والناي والطبول والإيقاعات، إلى جانب آلات تنتمي إلى التقاليد الأوركسترالية الغربية مثل الساكسفون والترومبون والترومبيت. ومن خلال هذا المزج، يسعى المشروع إلى خلق صيغة موسيقية قادرة على الاحتفاظ بجذورها المحلية، وفي الوقت نفسه الانفتاح على إمكانات التوزيع الأوركسترالي الحديث.

وتستعيد سناء مرحاتي خلال هذا الموعد جانبا من الذاكرة الموسيقية المغربية، من خلال تقديم ألوان تنتمي إلى الملحون والغرناطي، وهما نمطان ارتبطا عبر عقود طويلة بالهوية الفنية والثقافية للمغرب. ويمنح اختيار هذين اللونين للحفل بعدا يتجاوز الترفيه الموسيقي، باعتبارهما جزءا من تراث فني يحمل في إيقاعاته وألحانه الكثير من الذاكرة الجماعية.

كما يكتسي حضور الملحون والغرناطي أهمية خاصة في سياق مشروع يقدم الموسيقى المغاربية داخل فضاء أوروبي متعدد الثقافات، إذ تتحول الألحان المغربية إلى لغة قادرة على التواصل مع جمهور مختلف، دون أن تفقد خصوصيتها أو تنفصل عن جذورها. وهكذا يصبح المسرح فضاء للقاء بين أنماط موسيقية تشكلت في بيئات مختلفة، لكنها تلتقي في قدرتها على التعبير عن الذاكرة والهوية والانتماء.

ويشرف على قيادة الحفل المايسترو توم كوهين، الذي راكم تجربة في الجمع بين الكتابة الأوركسترالية الغربية والتقاليد الموسيقية لشمال إفريقيا والعالم العربي. وتمنح هذه التجربة للمشروع بعدا فنيا إضافيا، خصوصا أن الرهان يقوم على إعادة صياغة موسيقى ذات جذور مغاربية ضمن رؤية أوركسترالية قادرة على تقديمها في قالب جديد.

ويأتي إطلاق «الأوركسترا المغاربية ببروكسل» في سياق ثقافي تعرف فيه العاصمة البلجيكية حضورا بارزا للجاليات القادمة من بلدان المغرب العربي، ما يجعل الموسيقى فضاء طبيعيا للتعبير عن التنوع الثقافي. ومن هذا المنطلق، يمكن لهذا المشروع أن يشكل جسرا بين الأجيال والثقافات، من خلال إتاحة الفرصة للموسيقيين الشباب للاشتغال إلى جانب أسماء وتجارب تنتمي إلى مدارس مختلفة.

ويفتح هذا التوجه أيضا الباب أمام إعادة اكتشاف الموسيقى المغربية خارج حدودها التقليدية، خصوصا عندما تنتقل من فضائها المحلي إلى مسارح أوروبية تحتضن تجارب موسيقية متنوعة. فالحضور على خشبة مسرح في بروكسل لا يقتصر على نقل الأغنية أو اللحن المغربي، وإنما يسمح بإعادة تقديمهما ضمن رؤية جديدة يمكن أن تصل إلى جمهور لم يسبق له التعرف عن قرب على تفاصيل هذه التقاليد الفنية.

وفي المقابل، يراهن المشروع على الطاقات الشابة التي تشارك في الحفل، سواء من خلال الأصوات المنتمية إلى «أكاديمية فلاجي» أو العازفين المشاركين في العمل الأوركسترالي. ويمنح هذا الحضور الشبابي للمبادرة بعدا تعليميا وفنيا، لأنه يتيح للأجيال الجديدة الاحتكاك بتقاليد موسيقية مختلفة، والتعرف على أساليب جديدة في الأداء والتوزيع والعمل الجماعي.

وتكتسب هذه التجربة أهمية أكبر من خلال الجمع بين الآلات التقليدية والآلات الحديثة، في مشهد يعكس إمكانية التعايش بين التراث والتجديد. فالعود والقانون والناي والإيقاعات المغربية لا تظهر هنا باعتبارها عناصر منفصلة عن الموسيقى الغربية، بل تدخل في حوار مع الساكسفون والترومبون والترومبيت وباقي مكونات الأوركسترا، بما يسمح بإنتاج صيغة فنية تتسع لأكثر من هوية موسيقية.

ويحمل اختيار المغرب ليكون موضوع الفصل الأول من المشروع دلالة فنية واضحة، خاصة أن التراث الموسيقي المغربي يتميز بتعدد روافده وتنوع مدارسه، من الملحون والغرناطي إلى أنماط وإيقاعات أخرى ارتبطت بمناطق وبيئات اجتماعية مختلفة. ويمنح هذا التنوع إمكانات واسعة لإعادة التوزيع والتجريب، وهو ما يجعل الموسيقى المغربية قابلة للانفتاح على مشاريع أوركسترالية جديدة.

ومن المنتظر أن يشكل حفل 7 أكتوبر محطة أولى في مسار «الأوركسترا المغاربية ببروكسل»، التي تبدو فكرتها قائمة على جعل الموسيقى وسيلة للتقارب الثقافي والتفاعل بين التجارب الفنية. وبين صوت سناء مرحاتي وأصوات الشباب وعزف الموسيقيين المغاربيين والأوروبيين، يراهن الموعد على تقديم صورة مختلفة عن التراث الموسيقي لشمال إفريقيا، صورة تحافظ على الذاكرة وتمنحها في الوقت نفسه مساحة للتجدد.

وهكذا، تستعد بروكسل لاستقبال تجربة موسيقية تحمل معها جزءا من الذاكرة المغربية، في موعد يجمع بين الملحون والغرناطي والأوركسترا الحديثة، ويمنح الجمهور فرصة للاستماع إلى الموسيقى المغربية من زاوية جديدة. ومع افتتاح هذا المشروع، لا تغادر النغمات المغربية فضاءها الأصلي فحسب، بل تدخل في حوار مفتوح مع موسيقيين وجمهور من خلفيات متعددة، لتؤكد قدرة التراث على السفر والتجدد والوصول إلى مساحات ثقافية جديدة.