كوثر بوجوال
تستعد العاصمة السعودية الرياض لاحتضان «منتدى توريز 2027» خلال الفترة الممتدة من 23 إلى 25 مارس 2027، تحت شعار «تحالفات تحرك العالم»، في حدث دولي يطمح إلى بناء شراكات عملية ترسم اتجاهات السياحة العالمية خلال العقود الخمسة المقبلة.
وأعلن وزير السياحة السعودي ورئيس مجلس إدارة المنتدى، أحمد بن عقيل الخطيب، موعد الدورة الجديدة يوم الأربعاء 16 شتنبر 2026 بالرياض، مؤكدا أن مستقبل السياحة لن تصنعه جهة واحدة، بل ستحدده قوة التحالفات بين القطاعين العام والخاص وقدرتهما على تحويل الطموحات إلى استثمارات ومشاريع قابلة للتنفيذ.
وسيجمع المنتدى قادة ومسؤولين ومستثمرين من القطاعين العام والخاص ومن أسواق مختلفة، لمناقشة الفرص والتحديات التي تواجه السياحة والقطاعات المتصلة بها، وبحث الخطوات الضرورية لدفع الأجندة السياحية الدولية وصياغة رؤية بعيدة المدى لنمو أكثر استدامة وتأثيرا.
تحالفات تتجاوز حدود القطاع السياحي
يحمل شعار «تحالفات تحرك العالم» رسالة تتجاوز التعاون التقليدي بين الحكومات والشركات السياحية. فالمنتدى ينطلق من أن تجربة الزائر ترتبط بالنقل والاستثمار والتكنولوجيا والضيافة والثقافة والتخطيط الحضري، ما يجعل تطوير السياحة رهينا بتنسيق قطاعات متعددة داخل منظومة واحدة.
كما يضع المنتدى الشراكات في موقع الأداة التنفيذية، وليس مجرد عنوان للنقاش. فالتحدي لا يكمن في تحديد الفرص وحدها، بل في تحويلها إلى اتفاقات واستثمارات ومسارات عمل، مع توزيع واضح للأدوار بين الجهات الحكومية والمقاولات والمستثمرين والمؤسسات الدولية.
رؤية تمتد لخمسين عاما
يستهدف «توريز 2027» مناقشة الخطوات العملية اللازمة لصياغة مستقبل السياحة خلال الأعوام الخمسين المقبلة، وهي مدة تفرض التفكير خارج حسابات المواسم القصيرة وتقلبات الطلب الآنية.
وتحتاج الرؤية طويلة الأمد إلى توقع التحولات التي قد تعرفها عادات السفر، وتطور احتياجات الزوار، ودور التكنولوجيا، وقدرة الوجهات على الحفاظ على جاذبيتها. كما تقتضي موازنة النمو الاقتصادي مع مصالح المجتمعات التي تستقبل النشاط السياحي وتستفيد من وظائفه واستثماراته.
ولا يعني رسم ملامح نصف قرن تقديم توقعات ثابتة، بقدر ما يعني بناء منظومات مرنة تستطيع التكيف مع المتغيرات. ومن هنا تبرز أهمية التحالفات التي تجمع المعرفة والتمويل وصنع القرار، وتساعد الوجهات على الانتقال من رد الفعل إلى التخطيط الاستباقي.
السعودية تعرض تجربتها في النمو السياحي
يأتي تنظيم المنتدى في وقت تقدم فيه السعودية تجربتها نموذجا لإدارة السياحة بوصفها منظومة اقتصادية مترابطة. فقد تجاوزت المملكة مستهدفها الأول المتمثل في استقبال 100 مليون زائر سنويا قبل الموعد المحدد، ثم رفعت سقف طموحها إلى 150 مليون زائر سنويا بحلول عام 2030.
ويعكس رفع الهدف حجم التحول الذي تسعى الرياض إلى ترسيخه، إذ لم يعد نمو عدد الزوار غاية منفصلة، بل جزءا من مسار يرتبط بتوسيع الاستثمارات وتطوير الوجهات وزيادة مساهمة الأنشطة السياحية في الاقتصاد وخلق فرص جديدة أمام المقاولات واليد العاملة.
غير أن الانتقال من 100 مليون إلى 150 مليون زائر يرفع مستوى التحديات المرتبطة بالطاقة الاستيعابية وجودة الخدمات وتوزيع التدفقات بين الوجهات. كما يجعل الحفاظ على تجربة الزائر عاملا حاسما، لأن النمو الكمي يحتاج إلى جودة تضمن تكرار الزيارة وتعزز السمعة الدولية للمقصد السياحي.
من التجربة المحلية إلى منصة عالمية
أكد أحمد الخطيب أن السعودية عاينت ما يمكن تحقيقه عندما تتكامل الطموحات والاستثمارات والشراكات، موضحا أن المنتدى سينقل هذه التجربة إلى الساحة العالمية عبر جمع القادة من قطاعات وأسواق متعددة.
ولا يعني نقل التجربة تقديم نموذج واحد قابل للنسخ في جميع الدول، لأن كل وجهة تمتلك ظروفا اقتصادية وثقافية وجغرافية مختلفة. لكن المنتدى يستطيع توفير مساحة لتبادل الدروس بشأن تنسيق المشاريع، وجذب الاستثمار، وربط التخطيط السياحي بالأهداف التنموية الأوسع.
ويمنح انعقاد المنتدى في الرياض السعودية فرصة لإبراز التحول الذي يعرفه قطاعها السياحي أمام شركاء دوليين، بالتوازي مع الاستفادة من تجارب الأسواق الأخرى. وبذلك تتحول الاستضافة إلى مساحة للترويج والحوار وعقد الشراكات، لا إلى مناسبة تنظيمية محدودة.
المجلس العالمي يدعو إلى تعاون غير مسبوق
اعتبرت الرئيسة والمديرة التنفيذية للمجلس العالمي للسفر والسياحة، غلوريا جيفارا، أن المرحلة المقبلة من السياحة ستتحدد بمستوى من التعاون غير المسبوق، مؤكدة أن شعار المنتدى يعكس فرصة لربط القطاعات ورؤوس الأموال والأفكار بطرق تحقق تقدما ملموسا.
وتوسع هذه الرؤية دائرة المستفيدين من التحالفات لتشمل الوجهات والشركات والمجتمعات. فنجاح الاستثمار السياحي لا يقاس بالعائد المالي فقط، بل بقدرته على تنشيط الاقتصاد المحلي، ودعم المقاولات، وتحسين الخدمات، وخلق فرص يستفيد منها السكان.
كما أن ربط رؤوس الأموال بالأفكار يسلط الضوء على الحاجة إلى مشاريع قابلة للتمويل والتنفيذ. فكثير من الوجهات تمتلك موارد طبيعية أو ثقافية جذابة، لكنها تحتاج إلى بنية استثمارية تحول تلك الإمكانات إلى منتجات سياحية تحافظ على خصوصيتها وتوفر قيمة اقتصادية.
اختبار النتائج يبدأ بعد المنتدى
يضع «توريز 2027» سقفا مرتفعا لطموحاته من خلال الحديث عن تشكيل مستقبل السياحة لخمسين عاما. لكن القيمة الحقيقية للمنتدى ستقاس بنوعية التحالفات التي ستنشأ خلاله، وحجم الاستثمارات التي ستنتقل من النقاش إلى التنفيذ، واستمرار التعاون بعد انتهاء جلساته.
وسيشكل حضور قادة القطاعين العام والخاص فرصة لتقريب لغة السياسات من حسابات السوق، بحيث تفهم الحكومات احتياجات المستثمرين، وتدرك الشركات الأولويات الاجتماعية والتنموية للوجهات. ويمنح هذا الحوار الشراكات فرصة أكبر للاستمرار وتجنب المشاريع المنفصلة عن بيئتها.
ومع اقتراب مارس 2027، ستتجه الأنظار إلى برنامج المنتدى والقطاعات المشاركة والمبادرات المنتظر إعلانها. أما الرهان السعودي، فيتمثل في تحويل الرياض إلى نقطة التقاء دولية تسهم في نقل السياحة من مرحلة التعافي والنمو إلى مرحلة بناء تحالفات قادرة على تحريك الاقتصاد والمجتمعات والأفكار.








