إعلان
980×90
مساحة إعلانية
اقتصاد

روما.. تكيف الفلاحة الإفريقية يدخل عقد الحسم بخارطة مغربية حتى 2036

11:02 · 17/09/2026

كوثر بوجوال

قدمت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة «الفاو» ومؤسسة مبادرة تكيف الفلاحة الإفريقية «AAA»، يوم الأربعاء 16 شتنبر 2026 في روما، تقريرا يرصد حصيلة عشر سنوات من العمل، ويقترح خارطة طريق جديدة لتسريع تحول الأنظمة الفلاحية بالقارة في أفق سنة 2036.

وجاء تقديم الوثيقة بمناسبة الذكرى العاشرة للمبادرة التي أطلقتها المملكة المغربية خلال مؤتمر الأطراف «كوب 22» بمراكش، في خطوة وضعت احتياجات الفلاحة الإفريقية ضمن النقاش الدولي حول المناخ، وربطت التكيف بالمشاريع الميدانية والتمويل وبناء القدرات.

ويحمل التقرير عنوان «وضعية تكيف الفلاحة الإفريقية 2016-2026.. الحصيلة وخارطة الطريق في أفق 2036»، ويعد أول تقييم شامل لمسار عقد كامل، بما يتيحه من قراءة للنتائج المحققة، وتحديد للفجوات التي ما تزال تعيق وصول الحلول إلى الفلاحين والأسر القروية.

عشر سنوات نقلت الفلاحة الإفريقية إلى قلب النقاش

أكد وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أحمد البواري، في كلمة تليت بالنيابة عنه، أن إفريقيا من أولى المناطق المتضررة من أزمة مناخية لم تسهم إلا بقدر محدود في التسبب فيها.

وأوضح أن وزراء الفلاحة الأفارقة حملوا المبادرة، التي أطلقت بفضل الرؤية المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، من مؤتمر مناخي إلى آخر، ما ساهم في انتقال تكيف الفلاحة الإفريقية من هامش المفاوضات إلى صلب جدول أعمالها.

وبعد عقد من الترافع، لم يعد النقاش مقتصرا على الاعتراف بهشاشة القارة، بل أصبح منصبا على كيفية تحويل أنظمتها الفلاحية. وهذا التحول مهم، لأنه ينقل الأولوية من توصيف المخاطر إلى بناء سياسات قابلة للتنفيذ ونتائج قابلة للقياس.

خطط موجودة وحلقة تنفيذ ما تزال مفقودة

يكشف التقرير أن البلدان الإفريقية حددت بالفعل، ضمن خططها المودعة لدى الأمم المتحدة، احتياجات تكييف اقتصاداتها وقطاعاتها الفلاحية، وهي احتياجات تقدر بمئات مليارات الدولارات، يوجه جزء مهم منها إلى الزراعة.

كما تتوفر القارة على أجندة فلاحية مشتركة، وبنوك وصناديق قادرة على التمويل، فضلا عن حلول تقنية معروفة ومجربة. غير أن وجود هذه العناصر منفصلة لا يكفي لإحداث الأثر المطلوب، ما لم تنتظم داخل مسار يربط القرار السياسي بالاستثمار والتنفيذ والتقييم.

ويحدد التقرير الخلاصة المركزية في غياب «الخيط» الذي يصل بين هذه المكونات، انطلاقا من القرار السياسي، مرورا بالمؤسسات والتمويل، وصولا إلى الفلاح والنتيجة التي يمكن التحقق منها. لذلك تقترح خارطة 2026-2036 جعل التنسيق والتنفيذ والمساءلة محاور للعقد المقبل.

الفلاح الصغير في مواجهة ضغط المناخ

يلقي التغير المناخي بثقله على المحاصيل ودخل الأسر القروية، خصوصا أن الفلاحة الإفريقية تقوم أساسا على أسر تستغل مساحات صغيرة وتعتمد بدرجة كبيرة على الأمطار. ويجعل هذا الواقع مواسم الإنتاج رهينة لتقلبات الطقس والجفاف وتراجع الموارد المائية.

ويعني التكيف، وفق التقرير، تمكين الفلاحين من بذور مقاومة للجفاف، وتحسين تدبير المياه، وصيانة التربة، وتوفير إرشاد فلاحي متاح، إلى جانب تأمين يحمي المنتجين خلال السنوات الصعبة. وهي أدوات عملية ترتبط مباشرة باستمرار الدخل والأمن الغذائي والاستقرار القروي.

وشددت الوثيقة على أن هذه الحلول أثبتت فعاليتها، لكن التحدي يتمثل في تعميمها على نطاق القارة. وهنا تظهر أهمية التمويل ودعم القدرات، ليس فقط لتوفير الموارد، بل أيضا لمساعدة الدول على إعداد مشاريع مستوفية للشروط وقابلة للحصول على التمويلات المناخية.

من التعهدات المالية إلى مشاريع جاهزة

تؤكد التجربة أن توفر الأموال المعلنة لا يعني تلقائيا وصولها إلى الحقول. فالدول تحتاج إلى خبرة تقنية ومؤسسات قادرة على صياغة مشاريع واضحة، وتحديد مؤشرات للنتائج، وإثبات الجدوى الاقتصادية والاجتماعية والبيئية قبل التقدم إلى البنوك والصناديق.

ومن ثم، تدعو خارطة الطريق ضمنيا إلى سد الفجوة بين لغة المفاوضات المناخية ومتطلبات الاستثمار. فالفلاح لا يستفيد من التعهدات ما لم تتحول إلى شبكات ري، وبذور مناسبة، وخدمات إرشاد، وتأمين، وبرامج لحماية التربة وتثمين الإنتاج.

المغرب يرسخ ريادته المناخية الإفريقية

قالت المديرة العامة لمؤسسة مبادرة «AAA»، غيثة الغرفي، إن المبادرة طالبت قبل عشر سنوات في مراكش بالإنصات إلى الفلاحة الإفريقية، بينما أصبح صوتها اليوم مسموعا. وأضافت أن المؤسسة تقدم حصيلة قابلة للتحقق وخارطة طريق قابلة للقياس.

ويعكس هذا الانتقال حرص المبادرة المغربية على الجمع بين الترافع السياسي والحلول العملية، من خلال النهوض بمشاريع التكيف، والتدبير المستدام للموارد، وتسهيل الولوج إلى التمويلات المناخية، وهي مرتكزات تحتاج إليها القارة لتحصين إنتاجها الغذائي.

ويؤكد حضور «الفاو» في إعداد التقرير أن المبادرة رسخت شراكة مؤسساتية دولية، إذ تضطلع المنظمة بدور يمتد من الدعم التقني وتعبئة الخبرات إلى توثيق النتائج. ويساعد ذلك على تحويل التجارب الناجحة إلى نماذج قابلة للتكرار في بلدان إفريقية مختلفة.

تحالف واسع لخارطة 2036

جرى حفل تقديم التقرير بحضور السفير الممثل الدائم للمملكة لدى وكالات الأمم المتحدة في روما، يوسف بلا، إلى جانب وزراء ومفاوضين في مجال المناخ، ومنظمات للفلاحين، وعلماء ومؤسسات تمويل.

ويبرز تنوع المشاركين أن تكييف الفلاحة لا يمكن أن تنجزه جهة واحدة، بل يتطلب تنسيقا بين الحكومات والباحثين والممولين والمنتجين. فالبحث يوفر الحل، والقرار يحدد الأولوية، والتمويل يتيح التنفيذ، بينما يظل الفلاح الحلقة التي تقاس عندها النتيجة الفعلية.

وتدخل مبادرة تكيف الفلاحة الإفريقية عقدها الثاني بأرضية أقوى من تلك التي انطلقت منها سنة 2016، لكنها تواجه امتحان الانتقال من الاعتراف الدولي إلى التعميم الميداني. وستتحدد قيمة خارطة 2036 بقدرتها على إيصال الحلول المجربة إلى ملايين الأسر القروية، وربط التمويل بالأثر، وتحويل التكيف إلى استثمار مستدام في غذاء إفريقيا واستقرارها ومستقبل أجيالها. وهو رهان يتطلب التزاما سياسيا مستمرا، وتمويلا منصفا، ومتابعة دقيقة للنتائج على الأرض الإفريقية.