هجر إمغري
تستعد عازفة البيانو المغربية مها زاهد للعودة إلى العاصمة الرباط في موعد موسيقي يحمل بعدا إفريقيا واضحا، من خلال حفل تحتضنه دار الفنون يوم السبت المقبل، في أمسية تخصص بالكامل للموسيقى الكلاسيكية الإفريقية، وتفتح المجال أمام الجمهور لاكتشاف تجارب موسيقية تنتمي إلى بلدان وثقافات متعددة داخل القارة.
وتحضر مها زاهد في هذا الموعد الفني من خلال برنامج يبتعد عن الصورة التقليدية للحفلات الكلاسيكية، إذ يضع الموسيقى الإفريقية في قلب التجربة، ويمنح البيانو دورا أساسيا في تقديم أعمال تستحضر الذاكرة الثقافية للقارة، وتجمع بين خصوصية الموروث المحلي والأساليب الموسيقية الكلاسيكية.
ويأخذ الحفل جمهوره في رحلة تمتد من نيجيريا إلى إثيوبيا، مرورا بالمغرب، عبر مجموعة من المؤلفات التي تكشف تنوع التجارب الموسيقية الإفريقية وقدرتها على الانتقال من فضاءاتها الثقافية الأصلية إلى لغة موسيقية أكثر انفتاحا، دون أن تفقد صلتها بجذورها.
ويبرز ضمن هذا الاختيار حضور مؤلفات موسيقيات إفريقيات، بما يمنح الأمسية بعدا إضافيا من خلال إبراز تجارب نسائية ساهمت في تشكيل المشهد الموسيقي الكلاسيكي داخل القارة. كما يقدم البرنامج أعمالا مستوحاة من طقوس اليوروبا، إلى جانب مقطوعات ذات طابع شاعري وتأملي وروحي، بما يجعل البيانو مساحة للتعبير عن حالات إنسانية وثقافية مختلفة.
ويتحول البيانو، في تصور مها زاهد الفني، من مجرد آلة موسيقية إلى وسيلة للحوار بين عوالم متعددة، حيث تلتقي التقاليد الإفريقية بالكتابة الكلاسيكية الغربية، وتتحول الألحان المستوحاة من الذاكرة الجماعية إلى أعمال قادرة على الوصول إلى جمهور ينتمي إلى ثقافات مختلفة.
وتراهن هذه التجربة كذلك على إبراز الغنى الموسيقي الذي تزخر به القارة الإفريقية، في وقت تتجاوز فيه الموسيقى حدود الجغرافيا واللغة لتصبح وسيلة للتعريف بالثقافات والتجارب الإنسانية. ومن هذا المنطلق، تبدو الأمسية المرتقبة في الرباط أكثر من مجرد حفل بيانو، باعتبارها مساحة للتعريف بجانب من التنوع الفني الإفريقي من خلال أداء مغربي تقوده عازفة راكمت تجربة دولية واسعة.
وتقدم مها زاهد خلال هذه الأمسية أعمالا لمجموعة من المؤلفين، من بينهم صامويل كوليريدج تايلور، وأيو بانكول، وإيماهوي مريم تسيغي غيبرو، وفريد أونوفويروسوكي، إلى جانب المؤلف المغربي نبيل بن عبد الجليل، في برنامج يجمع بين أسماء وتجارب مختلفة، ويمنح الموسيقى الإفريقية مساحة للقاء والتفاعل.
وتحمل العازفة المغربية إلى هذا الموعد تجربة فنية بدأت منذ سنوات طفولتها، بعدما شرعت في تعلم البيانو في سن مبكرة، قبل أن تواصل تكوينها الموسيقي في الدار البيضاء على يد علي مصدق، ثم تنتقل إلى باريس لمتابعة دراستها بالمدرسة العادية للموسيقى، حيث استفادت من خبرة كارولين ساجمان، إحدى تلميذات عازف البيانو الشهير كلاوديو أراو، إلى جانب تكوينها على يد جان-مارك لويسادا.
وتواصل مسارها الأكاديمي والفني بالمعهد الملكي للموسيقى في لييج، حيث تم قبولها بالإجماع، لتعمل لاحقا على تطوير تقنياتها ومقاربتها الموسيقية إلى جانب عدد من الأسماء المتخصصة، من بينها ألكسندر غورنينغ وفلوريان نواك وكريستوف مونييه، قبل أن تتخرج من المؤسسة وتبدأ مرحلة جديدة من مسارها الاحترافي.
وتعزز حضور مها زاهد في المشهد الموسيقي من خلال مشاركتها في عدد من ورشات العمل والدورات المتخصصة، إذ أتاح لها مسارها الفني الاشتغال مع أسماء بارزة في عالم البيانو، من بينها ألكسندر تارو وديفيد فراي وكلير ديزير، وهي تجارب ساهمت في توسيع رؤيتها الفنية وصقل أسلوبها في التعامل مع الموسيقى والأداء.
وتكشف مسيرتها في الوقت نفسه عن انتقال تدريجي من الحضور المحلي إلى الانفتاح الدولي، بعدما قدمت أول حفل لها وهي في التاسعة عشرة من عمرها بمسرح 121 التابع للمعهد الفرنسي بالدار البيضاء، لتتوالى بعد ذلك مشاركاتها في فضاءات فنية داخل المغرب وخارجه.
وتحضر أسماء عدد من المؤسسات والمسارح الدولية في سجل حفلاتها، من بينها أوبرا كوميدي في مونبلييه، ومتحف لوكسمبورغ في باريس، وأكروبوليوم قرطاج في تونس، ومسرح مارغريت في كالتانيسيتا بإيطاليا، إضافة إلى دار الفنون والمكتبة الوطنية في الرباط، وقاعة لو رگار دو سيغن في باريس، ولافوندري في فونتوني سو بوا، فضلا عن ياماها في الدار البيضاء.
وتأخذ هذه الرحلة الفنية منحى دوليا أكبر منذ سنة 2024، بعدما سجلت مها زاهد حضورها الأول في إنجلترا، حيث أحيت حفلا بقاعة تاون هول في شلتنهام، قبل أن تنتقل إلى آسيا لتقديم عرض موسيقي في هونغ كونغ، وهو ما عكس اتساع دائرة الاهتمام بتجربتها خارج الفضاء الأوروبي والمغربي.
وتتواصل محطات هذا المسار خلال سنة 2026، مع برمجة ظهورها الأول في أوبرا مونبلييه إلى جانب الأوركسترا الوطنية لمونبلييه أوكسيتاني، في خطوة جديدة ضمن مسار فني يتجه نحو مزيد من الحضور على المسارح الدولية، بالتزامن مع ارتباطات فنية أخرى مرتقبة داخل أوروبا وخارجها.
وتحافظ مها زاهد، بالتوازي مع نشاطها كعازفة، على حضورها في مجال التأطير والمبادرات الموسيقية، إذ تتولى منذ سنة 2021 الإدارة الفنية لمهرجان «Musique aux Beaux Jours»، كما استفادت من دعم مؤسسة TAT خلال سنتي 2022 و2023.
ويأتي حفل الرباط ليجمع بين هذه التجربة المتراكمة وبين اهتمام خاص بالموسيقى الكلاسيكية الإفريقية، في موعد يمنح الجمهور فرصة للاستماع إلى أعمال نابعة من بيئات ثقافية مختلفة، لكنها تلتقي جميعا على آلة واحدة هي البيانو.
وتستعد دار الفنون بالرباط، بذلك، لاحتضان أمسية تضع الموسيقى الإفريقية في الواجهة، بينما تواصل مها زاهد تقديم تجربتها الفنية التي تجمع بين التكوين الأكاديمي، والانفتاح على مدارس موسيقية متعددة، والحضور المتزايد فوق المسارح الدولية، لتصبح العودة إلى الرباط مناسبة أخرى للقاء الجمهور المغربي مع تجربة موسيقية تحمل معها أصواتا وذاكرة وثقافات متعددة من القارة الإفريقية.







