إعلان
980×90
مساحة إعلانية
سياسة

الفايق.. الجريمة والنفوذ ولعبة التوقيت 

17:00 · 17/09/2026

ياسر الرقاص


تعلمنا التجربة السياسية أن ملفات الفساد في المغرب لا تموت، بل تدخل غرفة العناية المركزة لتستدعى كلما دعت الضرورة الانتخابية
، ينطبق هذا المبدأ بحذافيره على قضية رشيد الفايق، الذي أثبتت التقارير الرسمية والتحقيقات القضائية تورطه في شبكة معقدة للابتزاز وتزوير التعمير ومأسسة النفوذ الانتخابي ضواحي فاس.

لكن عودة القضية إلى واجهة النقاش العمومي والإعلامي في هذه الظرفية الحساسة تخرج الملف إلى العلن من جديد ليزاح من سياقه القضائي، لتضعه في قلب معركة شرسة على التزكيات والقواعد الناخبة.

فبين نيران الخصوم الذين يستغلون الملف لضرب مصداقية الشعار الانتخابي للحزب الحاكم، وصراعات الأجنحة الداخلية الراغبة في التخلص من جلباب الفايق الثقيل، تتشكل زاوية الرؤية الحقيقية ليطرح السؤال.. هل يعاد فتح الملف لتطهير الحياة السياسية، أم أنه مجرد أداة لتغيير الوجوه مع الحفاظ على نفس قواعد اللعبة؟”

تفكيك “الصندوق الأسود”.. ضرب القوة الضاربة للخصم

لم يكن رشيد الفايق مجرد قائد محلي في جماعة أولاد الطيب، بل كان يمثل الهندسة الميدانية التي منحت حزب التجمع الوطني للأحرار الهيمنة الشاملة على العاصمة العلمية في استحقاقات 2021. 

لقد نجح هذا الأخير في تحويل الكتلة الناخبة إلى خزان مغلق ومضمون عبر شبكة معقدة من الخدمات المتبادلة، حيث يقايض رخيصا الشاهد الإداري أو رخصة البناء مقابل الصوت الانتخابي والولاء المطلق.

إحياء هذا الملف اليوم ليس مجرد تذكير بحجم الخروقات التي وثقها جهازا المفتشية العامة للإدارة الترابية والفرقة الوطنية للشرطة القضائية، بل هو ضربة مركزة للصندوق الأسود للخصم السياسي. 

الخصوم يعلمون أن عزل الفايق بسجنه لثماني سنوات لا يكفي، بل يجب تسميم التركة بأكملها، لضمان ألا يستفيد الحزب الحاكم من الشارع نفسه الذي ساد فيه لسنوات.

معركة وراثة “العرش الإقليمي”.. الصراع على القواعد الناخبة

ترك الفايق خلفه فراغا كبيرا في المشهد الانتخابي لفاس، ومعه قاعدة ناخبة ضخمة من الأعيان و سماسرة الانتخابات الذين باتوا بغير أب روحي، وهنا تبرز الخلفية الحقيقية للتوقيت.. الجميع يخوض حربا لوراثة هذه القاعدة.

تغطية هذا الملف إعلاميا وسياسيا في هذه الظرفية تستغل كأداة ترهيب وتوجيه؛ رسالة مباشرة لكل المنعشين العقاريين وكبار النافذين الذين شكلوا عصب شبكة الفايق مفادها أن مظلة الحماية قد انقضت، وأن أي محاولة لإعادة إنتاج نفس التحالفات مع مرشح جديد ستواجه بالمصير ذاته.

النيران الصديقة.. صراع الأجنحة داخل البيت الداخلي

من الخطأ القاتل قراءة الملف كصراع بين أغلبية ومعارضة فحسب؛ فالقراءة الداخلية لحزب الأحرار تظهر وجود حرب أجنحة لا تقل شراسة، مع اقتراب ضبط قوائم التزكيات الانتخابية، يسعى جناح داخل الحزب إلى قطع الحبل السري نهائيا مع مرحلة الفايق، ليس فقط بدافع تخليق الحياة السياسية، بل لإزاحة الوجوه المحسوبة على الحقبة القديمة وتطهير القوائم الانتخابية من أي شبهات قد تستغل كأوراق ضغط ضد الحزب، إبراز ملف الفايق في هذا التوقيت يخدم عملية “تطهير داخلي” فرضتها ضرورة تلميع الصورة وتجديد النخب.

حدود لعبة “التخليق”.. تغيير الأقنعة أم تغيير المنهج؟

يكشف الملف أيضا عن تحول في سلوك السلطة تجاه الأعيان الكبار؛ فقد انتهى زمن الشيك على بياض للماكينات الانتخابية حين يتجاوز طغيانها حدود السيطرة لتتحول إلى دولة داخل الدولة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه على طول المحطات الانتخابية.. هل نحن أمام بداية قطع حقيقي مع الفساد الانتخابي، أم مجرد إعادة توزيع للبطاقات؟

“إن الخطورة في ملف رشيد الفايق لا تكمن في الجرائم التي أدين بها أمام قسم الجرائم المالية، بل في المنهجية التي أورثها للمشهد السياسي.

وإذا كان القضاء قد قال كلمته بحق الشخص، فإن الشارع السياسي في فاس ينتظر كلمة صندوق الاقتراع، هل ستكون إثارة القضية اليوم بمثابة درس يقطع مع زمن مقايضة الخدمات بالولاء، أم أننا سنشهد فقط استبدال الفايق بأقنعة جديدة تمارس اللعبة ذاتها بأساليب أكثر حذرا؟

الأكيد أن ملف الفايق سيظل الحاضر الأبرز في المعركة الانتخابية القادمة، لا كملف قضائي تطوى صفحاته، بل كشاهد على الحدود الفاصلة بين النفوذ السياسي وسقوط الأسطورة.