فتيحة شاطر
استغاثة بن سلمان بإسرائيل… هل يفتح باب المندب بوابة التطبيع السعودي؟
من كان يتوقع أن تأتي اللحظة التي يطلب فيها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان النجدة من إسرائيل لحماية باب المندب من الحوثيين؟
لم يخرج الطلب إلى العلن، ولم تتحدث الرياض عنه رسميًا، بل جرى تمريره عبر القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم»، لتتولى واشنطن إبلاغ تل أبيب بأن السعودية تبحث عن دعم استخباراتي إسرائيلي يمنع الحوثيين من إغلاق مضيق باب المندب. وكأن الرسالة السعودية تقول بوضوح: أنقذونا قبل أن يتحول المضيق إلى سلاح يخنق المملكة ويهدد صادراتها ومصالحها الحيوية.
استغاثة الرياض بإسرائيل لحماية باب المندب
هكذا يجد الأمير الذي قدم نفسه لسنوات حاميًا للأمن الخليجي مضطرًا إلى الاعتراف، ولو بصورة غير مباشرة، بعجز الرياض عن إدارة هذه المعركة وحدها. فالولايات المتحدة لم تهب بمقاتلاتها، وتركيا وباكستان لم ترسلا جيوشهما، فيما واصل الحوثيون تعزيز حضورهم العسكري وتهديد الملاحة البحرية بالصواريخ والمسيّرات.
اقرأ أيضاً: ترامب يتخلى عن محمد بن سلمان ويترك السعودية وحيدة
وأمام هذا التصعيد، اضطرت ناقلات وسفن تجارية إلى تغيير مساراتها والالتفاف حول القارة الإفريقية، بينما تعرضت منشآت وخطوط حيوية لهجمات متفرقة. وحتى مصر، التي حذرها بن سلمان من تداعيات الأزمة على إيرادات قناة السويس، لم تذهب أبعد من تقديم الدعم السياسي للموقف السعودي.
اقرأ أيضاً: بعد تقدم الحوثيين.. هل بدأ الخناق يشتد على السعودية؟
وجد ولي العهد السعودي نفسه وحيدًا أمام حرب لا يستطيع خوضها منفردًا، بعدما اكتفى حلفاؤه التقليديون بالمراقبة وتركوه في مواجهة خصم لا يمتلك جيشًا نظاميًا ضخمًا، لكنه يمتلك صواريخ ومسيّرات وقدرة على تهديد مضيق يمر عبره جزء مهم من تجارة العالم.
اقرأ أيضاً: بين التصعيد الحوثي وحسابات الإقليم.. كيف تخطط الرياض لإعادة صياغة معادلة الردع؟
الاتفاق النووي الأمريكي السعودي المشروط بالتطبيع
لذلك، لا يمكن التعامل مع طلب الدعم الإسرائيلي باعتباره مجرد استغاثة أمنية طارئة، بل بوصفه استكمالًا لمسار سياسي بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسمه منذ أشهر، ويربط بين حماية المصالح السعودية، والبرنامج النووي المدني، والتطبيع مع إسرائيل.
ففي يوليو الماضي، وقعت واشنطن والرياض اتفاق تعاون لإقامة برنامج نووي مدني سعودي، وقّعه وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت ونظيره السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان. لكن ترامب أعلن بعد ساعات عبر منصته أن الاتفاق مشروط بانضمام المملكة العربية السعودية إلى اتفاقيات أبراهام.
كانت الرسالة شديدة الوضوح: لا مفاعلات نووية سعودية من دون اعتراف بإسرائيل، ولا تعاون استراتيجي شامل من دون خطوة سعودية معلنة نحو تل أبيب.
وسارع مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى وصف احتمال انضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام بأنه «قفزة تاريخية نحو سلام الشرق الأوسط»، في مؤشر إلى أن إسرائيل تنظر إلى الملف النووي والحرب في اليمن وتهديدات باب المندب باعتبارها أوراقًا يمكن توظيفها لدفع الرياض نحو التطبيع.
ويمكن، انطلاقًا من ذلك، قراءة الرسالة الأمريكية الموجهة إلى بن سلمان: واشنطن مستعدة للمساعدة في إنقاذ المصالح السعودية، لكن ليس بالضرورة عبر تدخل عسكري أمريكي مباشر، وإنما من خلال ربط الرياض بإسرائيل أمنيًا واستخباراتيًا، ثم تحويل هذا التعاون إلى بوابة لتطبيع كامل مقابل حصول المملكة على برنامجها النووي.
ولم يمر الاتفاق النووي بهدوء، بعدما كشفت شبكة «سي إن إن» أن البيت الأبيض طلب من وزارة الطاقة الأمريكية تأجيل الإعلان عنه، غير أن الوزير كريس رايت مضى في الكشف عنه خلال مقابلة تلفزيونية، ما أثار غضب ترامب ومساعديه بسبب الإعلان المتسرع قبل إرسال الشروط السياسية إلى الكونغرس.
ويكشف ذلك أن واشنطن لا تريد منح الرياض غطاءً نوويًا قبل ضمان مقابل سياسي واضح، يتمثل أساسًا في انتقال السعودية من التعاون السري مع إسرائيل إلى الاعتراف العلني بها.
إسرائيل طرف عسكري مباشر في حرب اليمن
اليوم، يجد ترامب أمامه فرصة ذهبية لجمع الرياض وتل أبيب في جبهة واحدة ضد الحوثيين. فإسرائيل ليست بعيدة عن هذه الجبهة، ولا تقف خارج الحرب الدائرة في اليمن والبحر الأحمر، بل أصبحت طرفًا عسكريًا مباشرًا فيها.
فمنذ مارس الماضي، أعلن الحوثيون دخولهم الحرب رسميًا عبر إطلاق صواريخ باليستية على جنوب إسرائيل إسنادًا لإيران، لترد تل أبيب بضربات استهدفت عشرات المواقع في صنعاء، من بينها محطات كهرباء ومنشآت وقود وقواعد للصواريخ ومجمع الرئاسة اليمنية.
كما تعمل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، وفي مقدمتها «أمان» و«الموساد»، على إعداد قوائم بأهداف حوثية والمساعدة في تنفيذ عمليات تستهدف قيادات بارزة في الجماعة.
اقرأ أيضاً: اجتماع الجنرالات السري في ألمانيا… هل تُسلّم واشنطن أمن الخليج لإسرائيل؟
وهذا يعني أن الخبرة الاستخباراتية التي تبحث عنها الرياض موجودة بالفعل، وجاهزة للاستخدام، وسبق توظيفها في الجبهة نفسها ضد الخصم ذاته. فالعدو المشترك جعل الاستعانة بإسرائيل خطوة عملية بالنسبة إلى بن سلمان، حتى وإن بدت صادمة سياسيًا أمام الرأي العام العربي والإسلامي.
التعاون العسكري السري بين الرياض وتل أبيب
لكن ما يجري اليوم ليس بداية تعاون سعودي إسرائيلي، بل انتقال تدريجي لعلاقة قديمة من الظل إلى العلن.
فبينما يُدار المسار السياسي والأمني أمام الأنظار، ظل مسار عسكري واستخباراتي موازٍ يُدار خلف الأبواب المغلقة منذ سنوات. وقد كشفت صحيفة «هآرتس» أن شركات دفاع إسرائيلية زودت السعودية بصورة غير معلنة بأنظمة عسكرية متطورة، رغم غياب العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين.
وحصلت مقاتلات سعودية من طراز «F-15SA» على مكونات صنعتها شركات إسرائيلية ضمن عقود أُبرمت مع شركة «بوينغ» الأمريكية، شملت خوذات قتالية متطورة من طراز «GHMCS» وأنظمة للرؤية الليلية.
وشاركت شركة «إلبيت سيستمز» والصناعات الجوية الإسرائيلية في هذه المشاريع العسكرية، فيما بلغ ثمن الخوذة الواحدة نحو مئتي ألف دولار. ولا تكمن أهمية الرقم في قيمته المالية فقط، بل في كونه يكشف حجم اعتماد سلاح الجو السعودي على تقنيات مصدرها دولة لا تزال المملكة ترفض الاعتراف بها رسميًا.
قطر أيضاً داخل الشبكة العسكرية الإسرائيلية
ولم تقتصر هذه الشبكة العسكرية الإسرائيلية على السعودية، بل امتدت إلى قطر أيضًا. فقد حصلت ثلاث طائرات من الأسطول الأميري القطري على منظومة «سي ميوزيك» المضادة للصواريخ، من إنتاج شركة «إلبيت»، بهدف حماية طائرات كبار الشخصيات، بمن فيهم أمير قطر تميم بن حمد.
كما اشترت الدوحة 160 خوذة قتالية بقيمة بلغت 35 مليون دولار ضمن برنامج مقاتلاتها «F-15QA»، ووصل التعاون إلى حد تمثيل شركة يشارك فيها مسؤول سابق رفيع في الموساد ولواء متقاعد في الجيش الإسرائيلي شركتي «رافائيل» و«إلبيت» في مفاوضات مباشرة مع قطر.
من 2002 إلى 2020 — تاريخ طويل من العلاقة الخفية
وبالعودة إلى السعودية، يتضح أن التعاون العسكري الصامت مع إسرائيل ليس وليد حرب باب المندب، بل امتداد لمسار طويل من الاتصالات والعلاقات السرية بين الرياض وتل أبيب.
فمنذ مبادرة السلام السعودية عام 2002، التي طرحها ولي العهد آنذاك عبد الله بن عبد العزيز، ظلت القنوات الخلفية مفتوحة رغم خطاب الرفض العلني. وبعد حرب لبنان الثانية عام 2006، جمعت محادثات سرية مباشرة الطرفين على قاعدة وجود عدو مشترك يتمثل في إيران وحزب الله.
وفي عام 2015، كشفت وثائق «ويكيليكس» جوانب من عمق هذه العلاقة، وربطتها بتساهل سعودي تاريخي في ملف مقاطعة إسرائيل. ثم جاءت سنة 2020 لتسمح فيها المملكة، للمرة الأولى، بمرور الطيران الإسرائيلي عبر أجوائها، في خطوة اعتبرها كثيرون كسرًا رمزيًا لجليد سياسي استمر عقودًا.
الخلاصة — هل يخرج التطبيع أخيراً إلى العلن؟
المشهد الحالي، إذن، ليس بداية علاقة جديدة بين السعودية وإسرائيل، بل كشف متأخر عن علاقة كانت قائمة وتُدار في الظل، بعيدًا عن الشعارات والخطابات الرسمية.
واليوم تتقاطع جميع الخيوط في لحظة شديدة الحساسية: الحوثيون يهددون الملاحة في باب المندب، والبرنامج النووي السعودي معلق بشرط التطبيع، والتقنيات العسكرية الإسرائيلية موجودة فعليًا في السعودية وقطر منذ سنوات، فيما تسعى واشنطن إلى تحويل التعاون الأمني السري إلى تحالف سياسي معلن تقوده بنفسها.
ما كان سرًا محصورًا بين أجهزة الاستخبارات وشركات السلاح أصبح جزءًا من معادلة سياسية أكبر يقودها ترامب شخصيًا: حماية الرياض ودعم برنامجها النووي، مقابل إخراج علاقتها بإسرائيل من الغرف المغلقة إلى العلن.
وهنا لم يعد السؤال متعلقًا بوجود العلاقة بين الرياض وتل أبيب، فالمؤشرات العسكرية والسياسية والاستخباراتية تؤكد أن جسورها قائمة منذ سنوات. السؤال الحقيقي هو: هل يتحول استنجاد بن سلمان بإسرائيل لحماية باب المندب إلى الذريعة التي تُخرج هذه العلاقة أخيرًا إلى العلن، أم يبقى التطبيع مؤجلًا إلى أن تفرض الحرب على الطرفين إعلان ما ظلا يخفيانه طويلًا؟








