ياسر الرقاص
يبدو أن الذاكرة السياسية في المغرب توضع دائما على المحك مع اقتراب المواعيد الانتخابية، حيث تطفو على السطح تناقضات صارخة بين مواقف الأحزاب أثناء توليها المسؤولية الحكومية، وبين خطاباتها عندما تعود إلى صفوف المعارضة أو تستعد لخوض غمار الانتخابات، ولعل أحدث تجليات هذه الظاهرة هو البلاغ الأخير الصادر عن الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية.
ذاكرة انتقائية وازدواجية في المعايير
في مفارقة سياسية تثير الكثير من التساؤلات، أصدر حزب العدالة والتنمية بلاغا يحمل لغة استنكارية شديدة اللهجة، مؤكداً فيه “موقفه الثابت والراسخ الرافض والمناهض لكل أشكال التطبيع”.
هذا الموقف المبدئي المعلن يتصادم بشكل مباشر مع حقائق التاريخ القريب، فقرار استئناف العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل تم اتخاذه وتوقيعه رسميا في أواخر عام 2020، في وقت كان فيه الحزب نفسه يقود الائتلاف الحكومي، وكان أمينه العام آنذاك هو من ذيل الاتفاق بتوقيعه بصفته رئيسا للحكومة.
هذه الهوة العميقة بين “فعل التوقيع” في الأمس و”خطاب الرفض” اليوم، هي ما يطلق عليه المراقبون والمواطنون بامتياز “ازدواجية المعايير”.
فكيف يمكن تبرير تمرير قرار استراتيجي بهذا الحجم تحت مظلة الحزب الحكومية، ثم التبرؤ منه واستنكاره بمجرد تغير الموقع السياسي؟
“الركمجة” السياسية وإسكات النقاش الداخلي
إن قراءة متأنية للبلاغ المؤرخ في 17 شتنبر 2026، تكشف عن محاولة واضحة لتوظيف القضية في سياق “الركمجة” السياسية (ركوب الموجة)، فالحزب يحاول استثمار العاطفة الشعبية التضامنية مع القضية الفلسطينية لتحقيق مكاسب انتخابية، وهو ما يتضح جليا في البند الثاني من البلاغ.
ففي خطوة تكشف حجم الحرج الداخلي، وجهت قيادة الحزب توجيها صارما لمناضليها بـ “عدم الخوض فيما ينشر داخليا وخارجيا حول هذا الموضوع، والتركيز على واجب الوقت ومواصلة الحملة الانتخابية”.
هذا التوجيه يحمل دلالتين عميقتين الرغبة في إغلاق الباب أمام أي نقاش داخلي قد يسائل القيادة عن مسؤوليتها التاريخية في التوقيع على الاتفاقيات، مما قد يشتت صفوف الحزب.
وتسخير الموقف الرافض كواجهة دعائية بحتة، مع توجيه البوصلة فورا نحو “البرنامج الانتخابي”، مما يفرغ الموقف من محتواه المبدئي ويحوله إلى مجرد ورقة انتخابية ظرفية.
إن الخطاب السياسي الذي يبنى على التناقضات يفقد مصداقيته تدريجيا أمام وعي الناخب، لا يمكن للحزب أن يكون مهندس مرحلة التطبيع حكوميا، ورافعه لواء الرفض والممانعة انتخابيا في آن واحد.
وإن احترام ذكاء المواطن يقتضي قدرا من الانسجام بين الفعل والقول، والمكاشفة الصريحة حول قرارات الماضي بدلا من محاولة القفز عليها ببيانات انتخابية لا تصمد أمام اختبار الذاكرة القريبة، السياسة مواقف ومسؤولية، وليست مجرد موجات يتم ركوبها حسب اتجاه رياح الاقتراع.







