إعلان
980×90
مساحة إعلانية
سياسة

المغرب يضع أمن مضيق جبل طارق في قلب التعاون الدولي

09:53 · 18/09/2026

هجر إمغري

دعا المغرب إلى اعتماد مقاربة دولية جديدة للتعامل مع المضايق البحرية الاستراتيجية، تقوم على اعتبارها مسؤولية مشتركة وليست مجالا للملكية أو وسيلة لممارسة الضغط السياسي، وذلك في مبادرة ترمي إلى تعزيز حرية الملاحة وضمان أمن الممرات البحرية الدولية في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.

وأكد وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، خلال اجتماع لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بصيغة “أريا”، أن الموقع الجغرافي للمغرب، وخاصة إشرافه على واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، يفرض عليه الانخراط بشكل مباشر في الجهود الرامية إلى حماية أمن الملاحة واستقرار حركة السفن.

وأوضح الوزير أن المغرب لا يتعامل مع مضيق جبل طارق باعتباره مجرد امتداد جغرافي يفصل بين ضفتين، وإنما كمعبر دولي حيوي تتقاطع فيه مصالح اقتصادية وتجارية واستراتيجية كبرى، ما يجعل المحافظة على أمنه وانسيابية الملاحة داخله مسؤولية تتجاوز الحسابات الوطنية الضيقة.

ويشهد مضيق جبل طارق حركة بحرية كثيفة، إذ تعبره سنويا نحو 100 ألف سفينة، بمعدل يقارب 300 سفينة في اليوم، وهو ما يعني مرور سفينة واحدة تقريبا كل خمس دقائق، في مؤشر يعكس الأهمية الاستثنائية لهذا الممر بالنسبة إلى التجارة البحرية الدولية وحركة نقل البضائع والطاقة بين مختلف مناطق العالم.

وتكشف هذه الأرقام حجم الدور الذي يؤديه المضيق في ربط طرق التجارة الدولية، خصوصا أنه يمثل نقطة عبور رئيسية بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، ويشكل في الوقت ذاته حلقة أساسية في حركة الملاحة التي تربط أوروبا وإفريقيا ومناطق أخرى من العالم.

وفي هذا السياق، أبرز بوريطة أن كثافة الملاحة عبر مضيق جبل طارق تفوق حركة المرور في قناة السويس بخمسة أضعاف، كما تتجاوز حركة السفن في قناة بنما بأحد عشر ضعفا، فيما تقترب من ثلاثة أضعاف كثافة الملاحة المسجلة في مضيق هرمز، ما يضع هذا الممر البحري ضمن أبرز النقاط الاستراتيجية في شبكة النقل البحري العالمية.

وانطلاقا من هذه المعطيات، طرح المغرب فكرة إعداد مدونة دولية للسلوك خاصة بالمضايق البحرية، بهدف وضع قواعد واضحة تساعد الدول المطلة على هذه الممرات والمجتمع الدولي على ضمان حرية الملاحة، وتعزيز التعاون، والحد من التوترات التي يمكن أن تنشأ حول هذه المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية.

ويرتكز المقترح المغربي على فكرة أساسية مفادها أن المضايق الدولية لا ينبغي أن تتحول إلى أدوات للضغط أو الابتزاز، بل يجب أن تبقى ممرات مفتوحة وآمنة ومستقرة، تخدم التجارة الدولية وتساهم في تعزيز التواصل بين الشعوب والاقتصادات.

كما يسعى هذا التصور إلى تشجيع الدول المعنية على التعامل مع المضايق باعتبارها فضاءات للمسؤولية المشتركة، خصوصا أن أي اضطراب كبير في حركة الملاحة داخل أحد هذه المعابر يمكن أن تكون له انعكاسات تتجاوز المنطقة الجغرافية المحيطة به، لتصل إلى سلاسل التوريد والأسواق العالمية وحركة التجارة والطاقة.

وفي الاتجاه نفسه، اقترح المغرب تنظيم منتدى دولي بتنسيق مع مملكة البحرين، يكون فرصة لتبادل التجارب والممارسات الفضلى بين الدول المعنية، وفتح نقاش أوسع حول كيفية حماية الممرات البحرية الاستراتيجية من التوترات والأزمات التي قد تهدد استقرارها.

ويرتبط هذا المقترح، وفق التصور الذي قدمه الوزير، بالحاجة إلى تقوية الالتزام بقواعد القانون الدولي، باعتبارها الإطار الذي يمكن أن يضمن التوازن بين مصالح الدول الساحلية وحق المجتمع الدولي في الاستفادة من الممرات البحرية الدولية بشكل آمن ومنتظم.

ويأتي هذا الطرح في وقت أصبحت فيه البحار والمحيطات تؤدي دورا يتجاوز النقل البحري التقليدي، بعدما تحولت إلى جزء أساسي من البنية التحتية للاقتصاد العالمي، إذ تعتمد عليها حركة التجارة وسلاسل الإمداد ونقل الطاقة والمواد الأولية، وهو ما يجعل أمنها عنصرا مباشرا في استقرار الاقتصاد الدولي.

وفي المقابل، تظل هذه البنية البحرية العالمية عرضة لمجموعة من المخاطر، سواء بسبب التوترات الجيوسياسية أو النزاعات الإقليمية أو التهديدات التي تستهدف الملاحة، الأمر الذي يرفع الحاجة إلى مقاربات جماعية قادرة على الوقاية من الأزمات قبل تحولها إلى عوائق أمام حركة التجارة الدولية.

وشدد المغرب، من خلال هذا الطرح، على أن موقعه الجغرافي لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره امتيازا يسمح بممارسة النفوذ على الآخرين، وإنما كمسؤولية تفرض المساهمة في حماية الاستقرار وتشجيع التعاون بين الدول، خاصة في منطقة تعرف تداخلا كبيرا بين المصالح الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية.

ويفتح المقترح المغربي، في حال تطويره إلى إطار عملي، الباب أمام نقاش دولي أوسع بشأن مستقبل المضايق البحرية، وكيفية تحقيق التوازن بين السيادة الوطنية للدول المطلة عليها والالتزامات المرتبطة بحرية الملاحة الدولية، إلى جانب البحث عن آليات للتنسيق في مواجهة المخاطر التي يمكن أن تعرقل حركة السفن.

كما يمكن أن يشكل المنتدى الدولي المقترح مناسبة لتبادل الخبرات بشأن إدارة الممرات البحرية، وتعزيز التنسيق بين مختلف الأطراف، وتطوير آليات للتعامل مع الأزمات، بما يساعد على ضمان استمرار حركة الملاحة في ظروف أكثر أمنا واستقرارا.

ويعكس هذا التوجه كذلك محاولة لوضع مضيق جبل طارق ضمن رؤية أوسع لا تختزل أهميته في الجغرافيا، وإنما تنظر إليه باعتباره جزءا من منظومة دولية مترابطة، حيث يمكن لأي اضطراب في أحد الممرات الحيوية أن ينعكس على حركة التجارة والأسواق وعلى مصالح دول بعيدة عن موقع الأزمة.

وبذلك يضع المغرب قضية أمن المضايق البحرية ضمن أجندة التعاون الدولي، داعيا إلى الانتقال من التعامل مع هذه الممرات بمنطق المصالح المنفردة إلى تصور يقوم على المسؤولية المشتركة واحترام القانون الدولي وحماية حرية الملاحة، في وقت تتزايد فيه أهمية البحار والمحيطات بالنسبة إلى الاقتصاد والأمن والاستقرار العالمي.

إعلان
980×90
مساحة إعلانية