إعلان
980×90
مساحة إعلانية
فن

أصالة نصري تعود إلى دمشق بعد 15 عاما في ليلة تاريخية

11:31 · 18/09/2026

هجر إمغري

عادت أصالة نصري إلى دمشق بعد غياب طويل، لتعيش مع جمهورها السوري ليلة استثنائية امتزجت فيها الموسيقى بالحنين، وتحولت فيها خشبة صالة الفيحاء إلى مساحة مفتوحة للذكريات والمشاعر التي تراكمت طوال سنوات بعيدة عن الوطن. ولم يكن حضور الفنانة السورية مجرد موعد فني عابر، بل بدا بالنسبة إلى كثير من الحاضرين وكأنه استعادة لجزء من ذاكرة المدينة وصوت ارتبط على مدى عقود بمراحل مختلفة من حياة السوريين والعرب.

واستقبل الجمهور أصالة بحفاوة كبيرة، بعدما وقفت للمرة الأولى منذ نحو خمسة عشر عاما على أرض وطنها، في عودة حملت دلالات وجدانية واضحة، خصوصا أن الفنانة ارتبط اسمها منذ بداياتها الفنية بدمشق وبالمشهد الغنائي السوري، قبل أن تأخذها مسيرتها إلى فضاء عربي واسع جعلها واحدة من أبرز الأصوات النسائية في العالم العربي.

واختارت أصالة أن تبدأ ليلتها بأغنية “سوريا جنة”، في افتتاح بدا محملا بالكثير من المعاني، إذ وضعت الوطن في مقدمة هذه العودة، وحولت الأغنية إلى رسالة وجدانية تختصر سنوات الغياب وتستعيد العلاقة الخاصة التي تجمع الفنانة ببلدها وجمهورها. ومن خلال الكلمات والألحان والأداء، بدا واضحا أن البداية لم تكن اختيارا فنيا فقط، وإنما كانت محاولة لاستحضار المكان الذي شكل جزءا أساسيا من تجربتها الإنسانية والفنية.

ثم انتقلت الفنانة إلى تقديم مجموعة واسعة من أعمالها الغنائية، مستعيدة محطات مختلفة من مسيرتها الطويلة التي صنعت لها قاعدة جماهيرية كبيرة في سوريا والعالم العربي. وتوزعت وصلاتها الغنائية على فترتين امتدت كل واحدة منهما لما يقارب ساعتين، وهو ما منح الحفل مساحة زمنية واسعة سمحت للجمهور بالعودة إلى أغنيات ارتبطت لديه بالحب والاشتياق والذكريات ومراحل العمر المختلفة.

ومع توالي الأغنيات، تحولت أجواء الصالة تدريجيا إلى حالة جماعية من التفاعل، حيث لم يعد الجمهور مجرد متلق للاعمال الموسيقية، بل صار شريكا في استعادة ذاكرة فنية كاملة. وردد الحاضرون كلمات عدد من الأغنيات، فيما قابلت أصالة هذا التفاعل بأداء حمل قدرا واضحا من الانفعال، لتتداخل على المسرح مشاعر الفنانة مع استجابة جمهور ظل ينتظر هذه اللحظة سنوات طويلة.

وفي لحظة بدت أكثر قربا من الاعتراف الشخصي، تحدثت أصالة إلى الجمهور عن إحساسها بالوقوف مجددا في دمشق وبين أبناء وطنها. وبدت كلماتها مشبعة بدهشة اللقاء بعد طول الغياب، خصوصا أن العودة إلى المسرح السوري ظلت حلما مؤجلا طوال سنوات، قبل أن يتحول أخيرا إلى واقع عاشته الفنانة وسط حضور جماهيري واسع.

وأكدت أصالة خلال حديثها أن هذه العودة بالنسبة إليها تتجاوز حدود الحفل الموسيقي، بعدما ارتبطت بمشاعر متراكمة تجاه الوطن والجمهور والذكريات. وأشارت في حديثها إلى الأمل في أن تشكل هذه اللحظة بداية لمرحلة مختلفة، وأن يجد السوريون طريقهم نحو التعافي واستعادة الحياة، في تعبير يعكس البعد الإنساني الذي رافق ظهورها على المسرح.

وبالتوازي مع ذلك، حضرت فكرة الموسيقى باعتبارها وسيلة للتعبير عن المشاعر وترميم ما خلفته السنوات الصعبة من آثار نفسية وإنسانية. فقد قدمت أصالة الفن بوصفه مساحة قادرة على جمع الناس حول إحساس مشترك، وعلى منح الإنسان لحظات من الراحة والأمل، خصوصا عندما تأتي الموسيقى في سياق يحمل الكثير من الذكريات والتجارب.

ولم تقتصر أهمية الحفل على الحضور داخل صالة الفيحاء، إذ نقلت وقائعه مباشرة عبر الشاشة الفضائية السورية، الأمر الذي أتاح لجمهور واسع داخل سوريا وخارجها متابعة تفاصيل هذه العودة. وهكذا تجاوزت لحظة اللقاء حدود المكان، وانتقلت أصداؤها إلى البيوت التي تابع أصحابها الفنانة وهي تغني من جديد في العاصمة السورية بعد سنوات طويلة من الغياب.

كما اكتسب الحفل بعدا خاصا من خلال التكريم الذي حظيت به أصالة، في احتفاء بمسيرة فنية امتدت لعقود، وجعلت صوتها حاضرا بقوة في المشهد الغنائي العربي. فقد استطاعت الفنانة منذ بداياتها أن تبني هوية موسيقية خاصة، تجمع بين قوة الأداء والإحساس العالي، وأن تحافظ على حضورها رغم التحولات الكبيرة التي عرفتها الساحة الفنية العربية.

وفي السياق ذاته، أعادت عودة أصالة إلى دمشق النقاش حول العلاقة بين الفنان والمكان، وحول قدرة العودة بعد سنوات طويلة على استعادة تفاصيل تبدو غائبة لكنها لا تختفي من الذاكرة. فالفنان الذي يغادر وطنه قد يبتعد عن المكان جغرافيا، لكنه يظل قادرا على حمل صورته وأصواته وذكرياته معه، وهو ما بدا واضحا في الطريقة التي تعاملت بها أصالة مع هذه الليلة.

واستحضرت الفنانة من خلال أغنياتها القديمة والجديدة ذاكرة جمهور متعدد الاجيال، حيث وجد كل مستمع تقريبا مساحة خاصة تربطه بصوتها. وبين أغنية وأخرى، ظهرت دمشق كخلفية حاضرة في المشهد، ليس باعتبارها مجرد مكان للحفل، وإنما باعتبارها جزءا من الحكاية الشخصية والفنية للفنانة التي اختارت أن تكون عودتها محكومة بالموسيقى والكلمة واللقاء المباشر مع الجمهور.

ومع اقتراب السهرة من نهايتها، بدا أن الحفل تجاوز فكرة العودة الفنية التقليدية، وتحول إلى مناسبة حملت كثيرا من الشحنة العاطفية. فسنوات الغياب الطويلة جعلت الوقوف على المسرح السوري حدثا استثنائيا في مسيرة أصالة، بينما منح الجمهور هذه العودة معنى آخر من خلال الحضور والتفاعل واستعادة أغنيات رافقته خلال سنوات مختلفة.

وتكشف هذه الليلة كذلك عن المكانة التي لا تزال تحتفظ بها أصالة نصري لدى الجمهور السوري والعربي، بعدما تمكن صوتها من تجاوز الحدود الجغرافية والجيلية، وظل حاضرا في الذاكرة الفنية العربية. ولذلك لم تكن عودتها إلى دمشق مجرد استئناف لحفلاتها، بل كانت لقاء بين فنانة ومدينة وجمهور جمعهم تاريخ طويل من الأغنية والذكريات.

وفي النهاية، تركت أصالة دمشق على إيقاع ليلة اختزلت سنوات من الغياب في ساعات قليلة، وجمعت بين الفن والحنين والاحتفاء والامل. وبينما عادت أضواء المسرح إلى الخفوت، بقيت صورة الفنانة وهي تغني أمام جمهورها السوري حاضرة باعتبارها واحدة من أكثر لحظات مسيرتها الفنية حمولة بالمشاعر، في انتظار أن تتحول هذه العودة إلى بداية جديدة لعلاقة أكثر قربا بين أصالة ووطنها وجمهورها.

إعلان
980×90
مساحة إعلانية