هجر إمغري
أطلقت وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة النسخة الجديدة من بوابة «إدارتي»، في خطوة جديدة تهدف إلى جعل الخدمات العمومية أقرب إلى المواطنين والمقاولات، عبر توفير فضاء رقمي موحد يتيح الوصول إلى عدد كبير من الإجراءات والخدمات الإدارية دون الحاجة إلى التنقل المتكرر بين المصالح والمؤسسات.
وتأتي «إدارتي الجديدة» في سياق يتجه فيه المغرب إلى ترسيخ الإدارة الرقمية وتوسيع الاعتماد على الوسائل الإلكترونية في تدبير العلاقة بين المواطن والإدارة، خصوصا مع تنامي الحاجة إلى خدمات أكثر سرعة ووضوحا ومرونة. ولم تعد الرقمنة مرتبطة فقط بتحويل الوثائق والإجراءات التقليدية إلى صيغ إلكترونية، بل أصبحت جزءا من تصور أوسع يرمي إلى إعادة بناء تجربة المواطن مع الإدارة من البداية إلى النهاية.
وتوفر البوابة في صيغتها الحالية 874 خدمة إلكترونية، إلى جانب 2533 إجراء إداريا منشورا، وهو ما يمنح المستخدم إمكانية الاطلاع على مجموعة واسعة من المعلومات والخدمات التي يحتاج إليها في حياته اليومية أو في أنشطته المهنية والاستثمارية. كما تواصل الجهات المشرفة على المنصة العمل على تحيين المعطيات وتدقيقها، حتى يجد المواطن معلومات واضحة تساعده على معرفة الوثائق المطلوبة والإجراءات الواجب اتباعها والجهة التي يتعين عليه التواصل معها.
ويبرز هذا التطور بشكل خاص في محاولة الانتقال من نموذج يعتمد على خدمات إدارية منفصلة إلى تجربة رقمية أكثر ارتباطا بحاجيات المستخدم. فبدلا من البحث عن كل إجراء بشكل مستقل، يتجه التصور الجديد نحو تنظيم الخدمات وفق المسارات التي يمر منها المواطن والمقاولة، بما يجعل الوصول إلى المعلومة والخدمة أكثر بساطة ويقلل من الوقت والجهد المبذولين في البحث.
وفي السياق نفسه، أضيفت إلى البوابة خاصية «إبداء رأيي»، التي تفتح المجال أمام المواطنين والمقاولات للتعبير عن تجاربهم مع الخدمات الرقمية وتقديم ملاحظاتهم بشأن الصعوبات التي قد تواجههم أثناء استعمال المنصة. ومن شأن هذه الخاصية أن توفر معطيات عملية حول مستوى رضا المستخدمين، وأن تساعد على تحديد الجوانب التي تحتاج إلى تطوير وتحسين.
كما ركزت عملية إعادة تصميم «إدارتي» على جعل استعمال البوابة أكثر سهولة، من خلال تحسين طريقة التصفح وتنظيم المعلومات وتطوير آليات البحث داخل المنصة. ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة بالنسبة إلى المستخدم الذي لا يمتلك خبرة تقنية كبيرة، إذ يفترض أن تكون الخدمات العمومية الرقمية متاحة لمختلف الفئات، دون أن تتحول التكنولوجيا نفسها إلى عائق أمام الاستفادة منها.
وامتد الاهتمام كذلك إلى الولوجية الرقمية، مع مراعاة احتياجات الأشخاص في وضعية إعاقة، بما يعكس توجها نحو جعل التحول الرقمي شاملا ولا يستثني الفئات التي قد تواجه صعوبات في استخدام بعض الواجهات والخدمات الإلكترونية. ويعني ذلك أن تطوير الإدارة الرقمية لا يرتبط فقط بعدد الخدمات المتاحة، وإنما أيضا بمدى قدرة مختلف المواطنين على الوصول إليها والاستفادة منها بسهولة.
وفي اتجاه آخر، تحمل النسخة الجديدة من البوابة إضافة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، من خلال إدماج سوق للحلول والأدوات التي تستهدف المواطنين والمقاولات والإدارات. ويأتي هذا التطور في وقت أصبحت فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي حاضرة بشكل متزايد في مجالات معالجة المعلومات والتوجيه والبحث، ما يفتح المجال أمام استعمالها مستقبلا لتسهيل فهم الإجراءات الإدارية ومساعدة المستخدمين والموظفين على الوصول إلى المعلومة المناسبة في وقت أقصر.
ولا يتوقف المشروع عند الخدمات المتاحة حاليا، إذ ترسم «إدارتي X.0» تصورا أوسع للمرحلة المقبلة من الإدارة الرقمية، يقوم على الربط بين البوابة والمحفظة الرقمية الوطنية والهوية الرقمية وقابلية التشغيل البيني بين الأنظمة المعلوماتية المختلفة. ويهدف هذا التوجه إلى جعل الأنظمة الإدارية أكثر قدرة على التواصل فيما بينها، بما يسمح بتقليص تكرار الإجراءات والحد من مطالبة المواطن بالمعطيات نفسها في أكثر من مناسبة.
ويبرز هنا مبدأ «مرة واحدة»، الذي يقوم على فكرة أن المواطن لا ينبغي أن يضطر إلى تقديم المعلومة نفسها إلى إدارات متعددة كلما احتاج إلى خدمة جديدة، متى كانت هذه المعطيات متوفرة لدى جهة إدارية أخرى ويمكن تبادلها بشكل قانوني وآمن. ومن شأن تطبيق هذا المبدأ تدريجيا أن يخفف جزءا من التعقيدات المرتبطة بالإجراءات الإدارية، ويجعل العلاقة بين المواطن والمؤسسات أكثر سلاسة.
وبالموازاة مع ذلك، يتجه التصور المستقبلي للبوابة نحو خدمات أكثر تخصيصا واستباقية، بحيث لا يقتصر دور المنصة على انتظار المواطن حتى يبحث عن الخدمة التي يحتاج إليها، وإنما يمكن أن تتطور لتقوم بتنبيهه إلى بعض المواعيد والاستحقاقات التي تهمه، أو اقتراح خدمات وحقوق قد يكون مؤهلا للاستفادة منها، ثم توجيهه نحو الجهة المختصة.
ويعكس هذا التحول تغيرا في طبيعة العلاقة الرقمية بين المواطن والإدارة، من نموذج يقوم أساسا على البحث اليدوي عن المعلومات إلى نموذج أكثر تفاعلا، تكون فيه المنصة قادرة على فهم حاجيات المستخدم وتقديم توجيهات أكثر ملاءمة. غير أن هذا التطور يظل مرتبطا بضرورة ضمان حماية المعطيات الشخصية وأمن الأنظمة الرقمية، باعتبارهما عنصرين أساسيين في بناء الثقة في الخدمات الإلكترونية.
ومن جهة أخرى، فإن توسيع نطاق الإدارة الرقمية يفرض مواصلة العمل على جودة المعطيات وتحيينها بشكل مستمر، لأن فعالية أي منصة إلكترونية لا تقاس فقط بعدد الخدمات التي توفرها، بل أيضا بدقة المعلومات وسهولة فهمها وسرعة معالجة الطلبات ومدى وضوح المسار الذي ينبغي على المستخدم اتباعه.
وبذلك، تأتي «إدارتي الجديدة» كمرحلة إضافية في مسار رقمنة الخدمات العمومية بالمغرب، مع الانتقال تدريجيا من مجرد توفير المعلومات والإجراءات عبر الإنترنت إلى بناء تجربة رقمية أكثر تكاملا. وبين 874 خدمة إلكترونية و2533 إجراء إداريا، يبدو الرهان الأساسي مرتبطا بجعل التكنولوجيا وسيلة لتقريب الإدارة من المواطن، وتقليص المسافة بينه وبين الخدمة التي يبحث عنها، وتحويل التعامل مع المرفق العمومي إلى تجربة أكثر وضوحا ومرونة.
ومع استمرار تطوير المشروع، ينتظر أن تصبح الخدمات الرقمية أكثر ارتباطا بالهوية الرقمية للمستخدم وبالأنظمة الإدارية المختلفة، بما قد يفتح المجال أمام مرحلة جديدة يكون فيها الحصول على عدد من الخدمات أكثر سرعة وأقل تعقيدا. وفي نهاية المطاف، يبقى نجاح هذا التحول مرتبطا بمدى انعكاسه على الحياة اليومية للمواطن والمقاولة، وعلى قدرتهم على إنجاز الإجراءات بسهولة، والحصول على المعلومة الصحيحة، والاستفادة من خدمة عمومية تواكب التحولات الرقمية المتسارعة.







