إعلان
980×90
مساحة إعلانية
لخبار فراسك

وادي بهت..يفك طلاسم العصر البرونزي و يعيد هندسة الرواية التاريخية لشمال إفريقيا

15:04 · 18/09/2026

ياسر الرقاص


في ضربة علمية تفند الكثير من المسلمات الكلاسيكية حول تاريخ المنطقة المغاربية، أسفرت أعمال التنقيب بشمال غرب المملكة المغربية ” وادي بهت ” عن كشف غير مسبوق يتمثل في أقدم منشأة دفاعية موثقة في عموم شمال إفريقيا، خارج الحدود المصرية. 

هذا الهيكل المكتشف في مرتفعات “وادي بهت”، والذي قاوم عوامل الاندثار لنحو 4000 عام، لا يمثل مجرد تراكم حجري قديم، بل يعد وثيقة مادية دامغة تؤكد أن مجتمعات العصر البرونزي في هذه البقعة الجغرافية كانت تدير تنظيمات سياسية وعمرانية بالغة التعقيد، مما يسقط نهائيا السرديات التاريخية التي طالما صورت المنطقة كفضاء معزول أو متأخر حضاريا.

المعطيات الدقيقة التي استعرضتها منصة “ذا كونفرسيشن” الأكاديمية، والمنبثقة عن ورقة بحثية مشتركة بين المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث  وفرق من جامعة كامبريدج ومعهد علوم التراث الإيطالي، تشير إلى تحول تكتيكي مثير في نمط عيش الإنسان القديم في المغرب. 

فبعد أن كانت التجمعات البشرية تفضل الاستقرار في السهول والمساحات المفتوحة إبان العصر الحجري الحديث، اضطر سكان “وادي بهت” لاحقاً إلى التحصن خلف أسوار وخنادق مدروسة فوق حافة صخرية ضيقة يسهل الدفاع عنها.

هذا التحول المعماري الجذري يفترض بشكل لا يقبل الشك وجود قيادة منظمة قادرة على حشد المئات من العمال، وإدارة الإمدادات، وتطوير استراتيجيات صد الهجمات، التفسير الأرجح لدى علماء الآثار يعزو هذه العسكرة المبكرة إلى احتدام الصراع حول الموارد الحيوية واحتكار المسالك التجارية خلال الألفية الثانية قبل الميلاد. 

وهو توقيت تزامن مع غليان اقتصادي واجتماعي في حوض البحر الأبيض المتوسط، حيث تتقاطع اللقى الأثرية في الموقع المغربي مع أنماط مجتمعية مشابهة نشطت في الضفة الشمالية للمتوسط، وتحديداً مع الثقافة “الأرغارية” التي حكمت أجزاء واسعة من شبه الجزيرة الأيبيرية.

هذا الاكتشاف الاستثنائي، الذي يضع بلاد المغرب في صلب الديناميات الكبرى للبحر الأبيض المتوسط القديم، يضيف في الواقع حلقة مفقودة إلى السجل الأحفوري الغني للمملكة. 

وبالعودة إلى السياق الأوسع الموثق في أراشيف المعهد الوطني لعلوم الآثار، تتحول الأراضي المغربية تدريجيا إلى “مكتبة مفتوحة” لتطور الجنس البشري؛ بدءا من جبل “إيغود” الذي احتفظ بأقدم بقايا الإنسان العاقل (300 ألف سنة)، مرورا بمغارة “تافوغالت” التي منحت العالم أقدم جينوم بشري وممارسات جراحية عرفها التاريخ، وصولاً اليوم إلى جدران “وادي بهت”. 

كل هذه الشواهد تكرس حقيقة صلبة أن الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق لم تكن قط مجرد هوامش جغرافية خاملة، بل حاضنة نشطة لمجتمعات سابقة لعصرها، هندست بقاءها وتفاعلت بندية تامة مع محيطها الإقليمي.