إعلان
980×90
مساحة إعلانية
اقتصاد

تحت وطأة الضغوط الأمريكية السعودية تتخلى عن «إم بريدج» لحماية هيمنة الدولار

03:00 · 21/09/2026

نسرين الدهان

أثار انسحاب المملكة العربية السعودية من منصة «إم بريدج» للعملات الرقمية العابرة للحدود تساؤلات تتجاوز الجانب التقني للمشروع، لتصل إلى جوهر الصراع المالي المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين، ومحاولات بكين إنشاء منظومة دولية قادرة على تنفيذ المعاملات بعيدًا عن الدولار وشبكة «سويفت».

وبحسب تقرير نشرته صحيفة «فايننشال تايمز»، لم تعد السعودية عضوًا مشاركًا بصورة نشطة في المشروع، بعدما كانت قد انضمت إليه سنة 2024 إلى جانب الصين والإمارات وتايلاند وهونغ كونغ. غير أن الإعلان عن الانسحاب لم يخرج إلى العلن في حينه، رغم أن الرياض أنهت مشاركتها الفعلية منذ عام 2025.

اقرأ أيضاً: بين التصعيد الحوثي وحسابات الإقليم.. كيف تخطط الرياض لإعادة صياغة معادلة الردع؟

وأوضح البنك المركزي السعودي أن مشاركة المملكة كانت جزءًا من تجربة محددة، وأن مرحلة إثبات المفهوم اكتملت بنجاح في 13 ماي 2025، قبل مغادرة المشروع وفق خطة موضوعة سلفًا. لكن توقيت الكشف عن القرار وطبيعة المنصة التي تقودها الصين يفتحان الباب أمام قراءة سياسية مختلفة، خصوصًا في ظل المخاوف الأمريكية المتزايدة من ظهور أنظمة مالية تقلل الاعتماد على الدولار.

مشروع يهدد أحد أهم أسلحة واشنطن

لا تكمن أهمية «إم بريدج» في كونها منصة تقنية لتحويل العملات الرقمية فحسب، بل في قدرتها المحتملة على تغيير الطريقة التي تُنجز بها المدفوعات الدولية.

وتقوم المنصة على استخدام العملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية، بما يسمح بإجراء معاملات مباشرة بينها من دون المرور بشبكة واسعة من البنوك المراسلة، ومن دون الحاجة الدائمة إلى الدولار وسيطًا في عمليات التسوية.

وهذا يعني، في حال توسع المشروع، تقليل الوقت والتكلفة اللازمين لتنفيذ التحويلات الدولية، لكنه يعني سياسيًا أيضًا الحد من قدرة الولايات المتحدة على مراقبة حركة الأموال وفرض العقوبات المالية على الدول والمؤسسات والأفراد.

اقرأ أيضاً: اجتماع الجنرالات السري في ألمانيا… هل تُسلّم واشنطن أمن الخليج لإسرائيل؟

فالدولار ليس مجرد عملة دولية، بل يمثل إحدى أقوى أدوات النفوذ الأمريكي. وسيطرة واشنطن على جزء كبير من البنية المالية العالمية تمنحها القدرة على عزل خصومها، وتجميد أصولهم ومنعهم من الوصول إلى النظام المصرفي الدولي.

لذلك تنظر الولايات المتحدة بحذر إلى أي نظام جديد قد يسمح للصين أو روسيا أو الدول الخاضعة للعقوبات بتنفيذ معاملاتها خارج القنوات التقليدية التي تهيمن عليها المؤسسات الغربية.

هل تعرضت الرياض لضغط مباشر؟

لا يوجد حتى الآن تصريح رسمي سعودي أو أمريكي يؤكد أن واشنطن طلبت مباشرة من الرياض الانسحاب من المنصة. كما شدد البنك المركزي السعودي على أن انتهاء المشاركة كان جزءًا من خطة تجريبية محددة، وليس نتيجة قرار سياسي مفاجئ.

لكن غياب الاعتراف الرسمي لا ينهي التساؤلات. فالولايات المتحدة سبق أن أبدت قلقها من المشروع، كما جاء انسحاب السعودية بعد مغادرة بنك التسويات الدولية للمنصة في أكتوبر 2024، وسط تقارير تحدثت عن ضغوط أمريكية ومخاوف من استخدام النظام للالتفاف على العقوبات.

وقد نفى بنك التسويات الدولية آنذاك أن يكون قراره سياسيًا، معتبرًا أن المشروع وصل إلى مرحلة تسمح للبنوك المركزية المشاركة بإدارته بصورة مستقلة. إلا أن تزامن الانسحاب مع تصاعد التحذيرات الغربية من الدور الصيني جعل التفسير التقني وحده غير كافٍ لإغلاق النقاش. رويترز⁠

وتزداد حساسية الموقف السعودي بسبب طبيعة العلاقات التي تجمع الرياض بواشنطن. فالمملكة ترتبط بالولايات المتحدة بشراكات أمنية وعسكرية واستثمارية عميقة، كما أن الريال السعودي مرتبط بالدولار، ما يجعل أي انتقال سريع نحو نظام مالي تقوده الصين قرارًا يحمل تبعات اقتصادية وسياسية كبيرة.

السعودية بين الشراكة الأمريكية والانفتاح على الصين

تحاول الرياض خلال السنوات الأخيرة تنويع علاقاتها الدولية وعدم حصر خياراتها في شريك واحد. ولهذا عززت تعاونها الاقتصادي مع الصين، وانضمت إلى تجمع «بريكس»، ووسعت استخدام العملات المحلية في بعض المبادلات، بالتوازي مع الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.

وكان الانضمام إلى «إم بريدج» جزءًا من هذا التوجه، لأنه منح السعودية فرصة اختبار تقنية جديدة يمكن أن تسرّع المعاملات وتخفض تكاليفها، خصوصًا مع الصين التي تُعد من أكبر الشركاء التجاريين للمملكة وأكبر مستوردي نفطها.

لكن الانتقال من تجربة تقنية محدودة إلى عضوية كاملة في منظومة قد تنافس الدولار يضع الرياض أمام حسابات أكثر تعقيدًا. فالسعودية تستطيع توسيع تجارتها مع بكين، لكنها لا تزال جزءًا أساسيًا من النظام المالي المرتبط بالعملة الأمريكية، كما تعتمد في أمنها وتسليحها واستثماراتها الخارجية على علاقات واسعة مع الغرب.

ومن هنا يمكن فهم الانسحاب باعتباره محاولة للحفاظ على التوازن: الاستفادة من التجارب الصينية من دون الذهاب بعيدًا في مشروع قد تعتبره واشنطن تهديدًا مباشرًا لمصالحها.

انسحاب سعودي أم تراجع تكتيكي؟

لا يعني خروج السعودية بالضرورة إغلاق الباب نهائيًا أمام العملات الرقمية أو التسويات المالية غير التقليدية. فالبنك المركزي السعودي أكد استمرار اهتمامه بتجارب العملات الرقمية للبنوك المركزية، كما أن المملكة سبق أن أجرت مشروعات مشتركة في هذا المجال، من بينها مشروع «عابر» مع دولة الإمارات.

وتشير المعطيات إلى أن الرياض لا تزال تتابع تطورات «إم بريدج» من مسافة محدودة، حتى وإن توقفت مشاركتها النشطة. وهذا يترك أمامها إمكانية العودة مستقبلًا أو الاستفادة من التكنولوجيا ذاتها عبر ترتيبات أخرى، إذا تغيرت الظروف السياسية والاقتصادية.

لذلك قد يكون القرار تراجعًا تكتيكيًا أكثر منه تخليًا نهائيًا عن فكرة بناء وسائل دفع جديدة. فالسعودية لا تريد خسارة شراكتها مع الصين، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو مستعدة لتحمل تكلفة مواجهة مبكرة مع الولايات المتحدة حول مستقبل الدولار.

معركة أكبر من منصة رقمية

انسحاب السعودية لن ينهي مشروع «إم بريدج»، الذي يستمر بمشاركة الصين والإمارات وتايلاند وهونغ كونغ، لكنه يمثل ضربة رمزية مهمة له. فوجود أكبر مصدر للنفط داخل منصة تسمح بتسوية المدفوعات بعيدًا عن الدولار كان سيمنح المشروع وزنًا اقتصاديًا وجيوسياسيًا كبيرًا.

أما واشنطن، فتنظر إلى هذه المبادرات باعتبارها بداية لنظام مالي متعدد المراكز قد يضعف، مع مرور الوقت، قدرة الدولار على التحكم في التجارة الدولية.

وبين الرواية السعودية التي تصف الانسحاب بأنه نهاية طبيعية لتجربة مخطط لها، والقراءة السياسية التي تربطه بالضغط الأمريكي، تبقى الحقيقة الأوضح أن «إم بريدج» لم يعد مشروعًا تقنيًا محايدًا. لقد تحول إلى ساحة جديدة للمواجهة بين واشنطن وبكين، وإلى اختبار صعب للدول التي ترغب في تعزيز علاقاتها مع الصين من دون الاصطدام بالنظام المالي الذي تقوده الولايات المتحدة.

وبهذا المعنى، لا يتعلق قرار الرياض بمغادرة منصة رقمية فحسب، بل يعكس حدود المناورة المتاحة أمام حلفاء واشنطن عندما تقترب المنافسة مع الصين من أكثر المصالح الأمريكية حساسية: هيمنة الدولار على الاقتصاد العالمي.