إعلان
980×90
مساحة إعلانية
صحة

نقص القوى العاملة في القطاع الصحي يهدد 67 دولة بحلول 2030

10:36 · 21/09/2026

كوثر بوجوال

نقص القوى العاملة في القطاع الصحي مرشح للتفاقم عالميا خلال السنوات المقبلة، بالتزامن مع تقدم أعمار السكان والأطر الطبية، واقتراب أعداد كبيرة من الأطباء من التقاعد، وفق تحذير جديد أصدرته منظمة الصحة العالمية.

وتوقعت المنظمة أن يبلغ العجز العالمي في عدد العاملين في المجال الصحي نحو 11,1 مليون شخص بحلول سنة 2030، في وقت يستعد فيه ربع الأطباء حول العالم للتقاعد خلال العقد المقبل.

واستندت هذه التوقعات إلى تقرير رئيسي يرصد اتجاهات القوى العاملة في القطاع الصحي، اعتمادا على بيانات جمعت من أكثر من 100 دولة، وكشفت عن تحديات متزايدة في قدرة الأنظمة الصحية على المحافظة على مستويات الرعاية المتاحة حاليا.

نقص القوى العاملة في القطاع الصحي

أوضحت منظمة الصحة العالمية أن عددا من الدول يواجه ظاهرتين متزامنتين، تتمثلان في ارتفاع متوسط أعمار السكان وتقدم أعمار العاملين في قطاع الرعاية الصحية.

ويؤدي تزامن الظاهرتين إلى زيادة الطلب على العلاج والرعاية طويلة الأمد، مقابل احتمال خروج عدد كبير من الأطباء والممرضين وباقي الأطر من سوق العمل بسبب التقاعد.

ولا تقتصر المشكلة على تعويض المغادرين، لأن الشيخوخة السكانية تعني أيضا ارتفاع الحاجة إلى الخدمات الصحية، خاصة تلك المرتبطة بالأمراض المزمنة والرعاية المستمرة.

وبذلك، تواجه الأنظمة الصحية ضغطا مزدوجا يتمثل في الحاجة إلى عدد أكبر من المهنيين، بالتزامن مع انخفاض محتمل في أعداد الأطر المتاحة لتقديم العلاج.

وحذرت المنظمة من أن استمرار الاتجاهات الحالية قد يؤدي إلى توسيع الفجوة بين حاجات السكان وقدرة المؤسسات الصحية على الاستجابة، خصوصا داخل الدول التي تعاني أصلا محدودية الموارد البشرية أو تفاوت توزيعها جغرافيا.

عجز عالمي يبلغ 11,1 مليون عامل

توقعت منظمة الصحة العالمية وصول النقص العالمي في الأطر الصحية إلى 11,1 مليون عامل بحلول سنة 2030.

ويشمل مفهوم القوى العاملة الصحية الأطباء والممرضين وغيرهم من المهنيين الذين تعتمد عليهم المستشفيات والمراكز الصحية في تقديم خدمات التشخيص والعلاج والرعاية والمتابعة.

ويعكس الرقم المتوقع حجم الفجوة بين عدد الأطر التي ستحتاج إليها الأنظمة الصحية وعدد العاملين الذين يرجح أن يكونوا متاحين خلال السنوات المقبلة.

وقد يؤدي هذا النقص إلى ارتفاع العبء المهني على العاملين الموجودين، وزيادة ساعات العمل، وصعوبة تغطية المناطق النائية، فضلا عن احتمال امتداد فترات انتظار المرضى للحصول على بعض الخدمات.

كما يمكن أن تتأثر جودة الرعاية إذا اضطرت المؤسسات إلى العمل بأعداد تقل عن حاجاتها الفعلية، خاصة في الأقسام التي تتطلب حضورا مستمرا واستجابة سريعة.

ولا يتوزع العجز المتوقع بصورة متساوية بين الدول، إذ تختلف شدة المشكلة وفق حجم السكان، وعدد خريجي كليات الطب والتمريض، وقدرة الأنظمة الصحية على الاحتفاظ بكفاءاتها، ومستويات التمويل المتاحة.

67 دولة معرضة لتراجع قدرتها الصحية

أظهر التقرير أن 67 دولة قد تعاني بحلول 2030 نقصا في القوى العاملة اللازمة للمحافظة على معايير الرعاية الطبية التي توفرها حاليا.

ولا يعني ذلك فقط صعوبة توسيع الخدمات أو تحسينها، بل احتمال مواجهة تحديات في الحفاظ على المستوى القائم إذا لم يجر تعويض الأطر التي ستتقاعد أو تغادر القطاع.

ويضع هذا التوقع الحكومات أمام ضرورة التخطيط المسبق، لأن تكوين الطبيب أو الممرض أو التقني الصحي يحتاج إلى سنوات، ولا يمكن معالجة النقص الحاد خلال فترة قصيرة.

كما أن زيادة مقاعد التكوين لا تكفي وحدها إذا لم تترافق مع توفير ظروف عمل مناسبة، وتوزيع متوازن للأطر بين المدن والمناطق البعيدة، وسياسات تحد من مغادرة المهنيين إلى دول توفر أجورا وفرصا أفضل.

وتزداد صعوبة الوضع في الأنظمة التي تعرف بالفعل خصاصا في الموارد أو ضغطا مرتفعا على المستشفيات، لأن موجة التقاعد المقبلة قد تؤدي إلى توسيع الفجوات القائمة.

الحاجة إلى 832 ألف إطار إضافي

قدرت منظمة الصحة العالمية الحاجة إلى 832 ألف عامل إضافي في المجال الصحي، من أجل الحفاظ على المعدل الحالي للأطر الطبية مقارنة بعدد السكان.

ويعني ذلك أن الأنظمة الصحية مطالبة بتوظيف وتكوين أعداد كبيرة فقط للمحافظة على النسبة الراهنة، قبل الحديث عن تحسين التغطية أو رفع جودة الخدمات.

ويفرض الوصول إلى هذا العدد استثمارات مستمرة في مؤسسات التكوين، والأساتذة والمشرفين، والمستشفيات الجامعية، إضافة إلى الميزانيات الضرورية لتوظيف الخريجين ودمجهم داخل القطاع.

كما تحتاج الدول إلى معرفة التخصصات والمناطق التي تسجل أكبر خصاص، حتى لا تقتصر الزيادة على الأعداد الإجمالية دون معالجة الاختلالات في توزيع الأطر.

وقد تتوفر دولة على عدد مهم من المهنيين في المدن الكبرى، بينما تعاني مناطقها القروية أو النائية نقصا حادا في الأطباء والممرضين.

لذلك لا يرتبط تجاوز الأزمة بتكوين مزيد من الأطر فقط، بل كذلك بقدرة الأنظمة على توجيهها إلى الأماكن الأكثر حاجة والمحافظة عليها داخل القطاع العمومي والوطني.

الدول الغنية أمام موجة تقاعد واسعة

رغم امتلاك الدول مرتفعة الدخل إمكانات مالية وتقنية أكبر، فإن التقرير يتوقع أن تكون من بين الأكثر تأثرا بموجة التقاعد، بسبب ارتفاع نسبة كبار السن بين العاملين في مجال الرعاية الصحية.

ومن المرتقب أن يتقاعد طبيب واحد من كل ثلاثة أطباء في هذه الدول خلال السنوات العشر المقبلة، وهي نسبة تفوق المتوسط العالمي المقدر بربع عدد الأطباء.

وتشمل هذه الفئة عددا من البلدان الأوروبية، التي تواجه في الوقت نفسه ارتفاعا في أعمار السكان وزيادة الطلب على الخدمات الصحية.

ويضع تقاعد ثلث الأطباء خلال عقد واحد أنظمة التوظيف والتكوين أمام اختبار كبير، لأن تعويض هذه الكفاءات يتطلب أعدادا كافية من الخريجين، إلى جانب ضمان انتقال الخبرة من الأجيال التي ستغادر إلى الأطر الجديدة.

كما أن فقدان المهنيين ذوي الخبرة لا يقاس بالأعداد وحدها، بل يشمل المعرفة العملية المتراكمة والقدرة على التدريب والإشراف واتخاذ القرارات الطبية المعقدة.

استقدام الأطر من الدول الفقيرة يثير المخاوف

حذرت المنظمة من أن النقص المتوقع قد يدفع الدول الغنية إلى زيادة اعتمادها على استقدام الأطباء والممرضين من البلدان ذات الدخل المنخفض.

وقد يساعد استقطاب الأطر الأجنبية الدول المستقبلة على سد جزء من حاجاتها، لكنه قد يؤدي في المقابل إلى إضعاف الأنظمة الصحية في البلدان التي غادرها هؤلاء المهنيون.

وتزداد خطورة هذا المسار عندما تنفق الدول الفقيرة موارد محدودة على تكوين الأطر، ثم تفقدها لصالح أسواق عمل تقدم أجورا وشروطا مهنية أكثر جاذبية.

وقد يؤدي ذلك إلى مفارقة تتمثل في معالجة النقص داخل الأنظمة الغنية عبر تعميق الخصاص في دول تحتاج هي الأخرى إلى الأطباء والممرضين.

ولا يعني هذا إغلاق فرص التنقل المهني أمام العاملين في الصحة، بل يبرز الحاجة إلى سياسات توظيف مسؤولة وتعاون دولي يراعي مصالح الدول المصدرة للكفاءات.

كما يفرض على البلدان الغنية الاستثمار بصورة أكبر في تكوين أطرها والاحتفاظ بها، بدلا من الاعتماد المفرط على استقطاب العاملين من أنظمة صحية أكثر هشاشة.

التخطيط المبكر ضرورة لحماية الرعاية

يكشف تقرير منظمة الصحة العالمية أن أزمة القوى العاملة ليست احتمالا بعيدا، بل تحديا يبدأ أثره في الظهور قبل حلول ثلاثينيات القرن الحالي.

فموجة التقاعد المرتقبة، وتزايد الطلب الناتج عن الشيخوخة، وطول مدة تكوين الأطر، تجعل القرارات المتخذة حاليا حاسمة بالنسبة إلى قدرة الأنظمة الصحية على العمل بعد سنوات.

وتحتاج الحكومات إلى خطط تجمع بين التكوين والتوظيف وتحسين ظروف العمل والاحتفاظ بالكفاءات وتوزيعها بصورة عادلة.

كما يتطلب الأمر حماية العاملين من الإرهاق المهني، لأن ارتفاع الضغط دون توفير دعم كاف قد يدفع مزيدا من الأطر إلى مغادرة القطاع أو تقليص ساعات عملها.

وتؤكد توقعات العجز البالغ 11,1 مليون عامل أن نقص القوى العاملة في القطاع الصحي لم يعد مشكلة محلية تخص دولا بعينها، بل تحديا عالميا يمس استدامة الرعاية وحق السكان في الوصول إلى خدمات صحية آمنة خلال العقد المقبل.