إعلان
980×90
مساحة إعلانية
فن

مسجد محمد السادس يروي حكاية المغرب في قلب سانت إتيان

12:16 · 21/09/2026

هجر إمغري

فتح مسجد محمد السادس نصره الله بمدينة سانت إتيان الفرنسية أبوابه أمام مئات الزوار، في مناسبة ثقافية حملت طابعا خاصا، بعدما تحول هذا الصرح الديني إلى محطة بارزة ضمن فعاليات الأيام الأوروبية للتراث، التي تمنح الجمهور فرصة الاقتراب من معالم تاريخية وثقافية لا تكون متاحة دائما للزيارة والتعرف على تفاصيلها.

واستقبل المسجد خلال هذه المناسبة عددا كبيرا من الزوار الذين جاؤوا لاكتشاف معالمه والتعرف على جانب من الثقافة المغربية التي تحملها تفاصيله المعمارية. ولم تقتصر الزيارة على الفضاء الديني للمسجد، بل امتدت إلى عناصر فنية وحرفية تعكس حضور الصناعة التقليدية المغربية داخل هذا الصرح الموجود في قلب مدينة سانت إتيان.

واكتشف الزوار، خلال جولتهم داخل المسجد، مجموعة من التفاصيل التي تمنح المكان خصوصيته، وفي مقدمتها خشب الأرز المنحوت، والجبص المنقوش، والزليج المغربي الذي يعد من أبرز عناصر العمارة التقليدية في المملكة. وسمحت هذه المكونات للحاضرين بالتعرف عن قرب على مهارات حرفية متوارثة، وعلى دقة الأعمال التي تجمع بين الجمالية والهندسة والهوية الثقافية.

كما شكلت المناسبة فرصة لإبراز ارتباط العمارة المغربية بفنون يدوية ظلت حاضرة عبر أجيال، حيث تظهر الزخارف والنقوش داخل المسجد قدرة الصناع التقليديين على تحويل مواد مختلفة إلى لوحات فنية متكاملة. ويمنح اجتماع الزليج والجبص والخشب المنحوت للمكان طابعا مغربيا واضحا، يجعل زيارته تجربة تتجاوز البعد الديني نحو التعرف على جزء من الذاكرة الفنية والثقافية المغربية.

إقرأ أيضا:افتتاح-رسمي-لمسجد-محمد-السادس-بالعاصمة

ويعود افتتاح مسجد محمد السادس في سانت إتيان إلى سنة 2012، ومنذ ذلك الحين أصبح واحدا من الفضاءات التي تجمع بين الوظيفة الدينية والحضور الثقافي داخل المدينة. ومع مشاركته في الأيام الأوروبية للتراث، وجد المسجد نفسه أمام جمهور أوسع، ضم أشخاصا قدموا للتعرف على المعلمة ومكوناتها، وهو ما منح المناسبة بعدا إضافيا يرتبط بالتعريف بالثقافة المغربية خارج المملكة.

وتأتي هذه المشاركة في إطار تظاهرة ثقافية أوروبية انطلقت سنة 1984، قبل أن تتوسع على مر السنوات لتشمل عشرات الدول. وتقوم فكرة الأيام الأوروبية للتراث على فتح عدد من المواقع والمعالم أمام الجمهور، بما يسمح بالتعرف على تاريخها وهندستها ووظيفتها وما تختزنه من عناصر ثقافية وفنية.

وشهد برنامج المناسبة داخل مسجد محمد السادس تنظيم أنشطة موازية، من بينها معرض للصور الفوتوغرافية تمحور حول مفهوم «العيش المشترك». وقد منح المعرض للزوار مساحة إضافية للتأمل في العلاقة بين الثقافات المختلفة، خصوصا في مدينة تعرف حضورا متنوعا من الجاليات والخلفيات الثقافية.

وشكلت ورشات الزليج والنسيج بدورها جزءا من البرنامج المرافق للزيارة، حيث أتاحت للحاضرين فرصة التعرف على بعض تقنيات الحرف التقليدية المغربية. ولم يكن الهدف من هذه الأنشطة تقديم المعلومة فقط، بل جعل الزائر يعيش تجربة مباشرة مع عناصر من الثقافة المغربية، من خلال مشاهدة الحرفة والتعرف على تفاصيلها وطريقة اشتغال الصناع عليها.

وساعدت هذه الورشات على تقديم صورة مختلفة عن التراث المغربي، باعتباره منظومة متكاملة تجمع بين الفن والصناعة والعمارة والذاكرة الجماعية. فالزليج، على سبيل المثال، لا يحضر باعتباره عنصرا زخرفيا فحسب، وإنما يمثل جزءا من تقاليد عمرانية ارتبطت بالمدن المغربية وبالمعمار الذي ميز عددا من المساجد والقصور والمدارس والمباني التاريخية.

وأعاد انفتاح المسجد على الزوار، في هذا السياق، طرح العلاقة بين أماكن العبادة والمجال الثقافي، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمعلمة تحمل في تصميمها وموادها المستخدمة ملامح واضحة من التراث الوطني. فقد سمحت المناسبة للزوار بالانتقال من النظرة المرتبطة بالمسجد باعتباره فضاء دينيا إلى اكتشافه أيضا باعتباره فضاء معماريا يحمل مجموعة من الرموز والتفاصيل الفنية.

واستقطب المسجد اهتمام الزوار بفضل هذا المزيج بين العمارة المغربية والأنشطة الثقافية المصاحبة، في وقت أصبحت فيه المناسبات المفتوحة على الجمهور وسيلة للتقريب بين المجتمعات وتعريفها بالتنوع الثقافي الموجود داخل المدن الأوروبية. ومن هذه الزاوية، حملت مشاركة مسجد محمد السادس في سانت إتيان بعدا يتجاوز حدود المناسبة نفسها، من خلال إتاحة فرصة للتواصل المباشر مع جزء من الثقافة المغربية.

ويبرز حضور الزليج والنسيج والخشب المنحوت والجبص المنقوش داخل الفعاليات أهمية الحرف التقليدية في تقديم الهوية المغربية، خصوصا خارج المملكة. فهذه العناصر قادرة على نقل ملامح الثقافة بطريقة بصرية وملموسة، وتسمح للزائر بالتعرف على تفاصيل قد لا يجد فرصة لمشاهدتها في حياته اليومية.

كما منحت المناسبة للزوار فرصة للتعرف على المسجد من زاوية جديدة، واكتشاف تفاصيل قد تمر دون انتباه خلال الزيارات العادية. فقد تحولت الجولة إلى تجربة تجمع بين التعرف على المعمار والاستماع إلى الشروحات ومشاهدة الأعمال الحرفية والمشاركة في أنشطة ثقافية، ما جعل المكان جزءا من برنامج الأيام الأوروبية للتراث وليس مجرد موقع مفتوح للزيارة.

وتؤكد هذه الفعاليات، في مجملها، أن التراث يمكن أن يشكل جسرا للتواصل بين الثقافات، خصوصا عندما يقدم بطريقة تسمح للجمهور بالمشاهدة والتجربة والحوار. وفي حالة مسجد محمد السادس في سانت إتيان، اجتمعت العمارة المغربية مع التصوير والحرف التقليدية ومفهوم العيش المشترك، لتمنح الزوار صورة متعددة الجوانب عن الثقافة التي يحملها هذا الصرح.

وهكذا، تحول مسجد محمد السادس في سانت إتيان خلال أيام التراث الأوروبية إلى فضاء مفتوح للتلاقي والتعرف على الثقافة المغربية، مستفيدا من موقعه داخل المدينة ومن القيمة الفنية التي تحملها تفاصيله. وبين الزليج والجبص والخشب والصور والورشات، وجد الزوار أمامهم تجربة ثقافية أتاحت لهم الاقتراب من ملامح مغربية تعيش في قلب مدينة فرنسية، وتقدم التراث باعتباره لغة قادرة على جمع الناس حول المعرفة والجمال والتنوع.