إعلان
980×90
مساحة إعلانية
اقتصاد

تخزين الكهرباء بالمغرب يدخل مرحلة جديدة من بن جرير

14:54 · 21/09/2026

هجر إمغري

دخل المغرب مرحلة جديدة في مسار تطوير منظومته الطاقية، بعدما شهدت مدينة بن جرير تشغيل نظام واسع النطاق لتخزين الكهرباء بالبطاريات، في خطوة تفتح المجال أمام استخدام أوسع للتقنيات الحديثة القادرة على حفظ الطاقة المنتجة من المصادر المتجددة واستعمالها في الأوقات التي ترتفع فيها الحاجة إلى الكهرباء.

ويأتي هذا المشروع داخل موقع تابع لـ«أو سي بي غرين إنرجي»، حيث يعتمد النظام الجديد على بطاريات فوسفات حديد الليثيوم، وهي تقنية أصبحت تحظى باهتمام متزايد في مشاريع تخزين الطاقة بسبب قدرتها على العمل لفترات طويلة وإمكانية دمجها مع محطات إنتاج الكهرباء من المصادر الشمسية.

ويحمل المشروع قدرة تصل إلى 25 ميغاواط، بينما تبلغ سعته التخزينية نحو 125 ميغاواط ساعة، ما يعني إمكانية الاحتفاظ بكميات مهمة من الكهرباء المنتجة خلال فترات ارتفاع الإنتاج، قبل إعادة ضخها للاستخدام عندما يرتفع الطلب أو يتراجع إنتاج الطاقة الشمسية.

ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، الذي وسع خلال السنوات الماضية اعتماده على الطاقات المتجددة، خصوصا الطاقة الشمسية والريحية، في إطار توجه يرمي إلى تقليص الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية وتعزيز حضور الكهرباء النظيفة داخل المنظومة الوطنية.

وتسمح تقنيات التخزين بتجاوز واحدة من أبرز التحديات المرتبطة بالطاقة المتجددة، والمتمثلة في عدم استقرار الإنتاج على مدار اليوم. فالألواح الشمسية، على سبيل المثال، تنتج كميات كبيرة من الكهرباء خلال ساعات النهار، بينما ينخفض الإنتاج مع غروب الشمس، في الوقت الذي قد يستمر فيه الطلب على الكهرباء في الارتفاع.

ويعمل نظام بن جرير على معالجة هذا التفاوت من خلال تخزين جزء من الطاقة المنتجة خلال ساعات الوفرة، ثم استخدامها في فترات لاحقة. وبذلك تتحول الكهرباء التي كان يمكن أن تضيع بسبب ارتفاع الإنتاج مقارنة بالاستهلاك إلى احتياطي يمكن الاستفادة منه عند الحاجة.

إقرأ أيضا: ابن-جرير-لقاء-دوليا-لتعزيز-النساء

وتصل مدة التخزين في المشروع إلى خمس ساعات، وهي مدة تمنح النظام قدرة على لعب دور يتجاوز مجرد التدخل السريع لتثبيت الشبكة، ليصبح جزءا من عملية إدارة استهلاك الطاقة داخل المنشأة الصناعية. كما صمم النظام للعمل لمدة تصل إلى 25 عاما، مع إمكانية تنفيذ عمليات شحن وتفريغ بشكل يومي.

وينتظر أن يساهم هذا النموذج في تقليص كلفة استهلاك الكهرباء خلال فترات الذروة، إذ يمكن للموقع الاعتماد على الطاقة المخزنة عندما ترتفع الأسعار أو يزداد الضغط على الشبكة، وهو ما قد يؤدي إلى خفض فاتورة الكهرباء خلال ساعات الطلب المرتفع بنحو 25 في المائة.

ويبرز المشروع، في الوقت ذاته، تحولا في طريقة التعامل مع الطاقة المتجددة داخل القطاع الصناعي، بعدما لم يعد الأمر مقتصرا على إنتاج الكهرباء النظيفة، بل أصبح يشمل أيضا القدرة على التحكم في توقيت استخدامها والاستفادة منها وفق احتياجات المنشآت.

ويأتي تشغيل هذا النظام بعد إبرام عقد المشروع خلال نهاية سنة 2025، حيث تولت الشركة المكلفة إنجاز مختلف مراحل توريد التجهيزات وتركيبها وتشغيلها، بينما يخضع النظام حاليا لاختبارات تقنية تمهيدا للانتقال إلى مرحلة التشغيل التجاري.

ويعكس هذا المسار تنامي الاهتمام بتكنولوجيا البطاريات باعتبارها إحدى الأدوات التي يمكن أن تساعد على تحقيق توازن أفضل بين إنتاج الكهرباء واستهلاكها. فكلما ارتفعت مساهمة مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة، ازدادت الحاجة إلى حلول تسمح بالاحتفاظ بالكهرباء واستخدامها في الوقت المناسب.

ويحظى المشروع كذلك ببعد تمويلي مهم، بعدما استفاد من تمويل بقيمة 20 مليون دولار من صندوق التكنولوجيا النظيفة، وهو ما يبرز حجم الاهتمام الذي أصبحت تحظى به مشاريع تخزين الكهرباء المرتبطة بالطاقة المتجددة، خصوصا في الاقتصادات التي تسعى إلى تسريع انتقالها نحو مصادر طاقة أقل انبعاثا للكربون.

ويفتح نجاح المشروع بمدينة بن جرير الباب أمام إمكانية توسيع استخدام أنظمة التخزين في مواقع صناعية أخرى، خاصة تلك التي تعتمد بشكل متزايد على الطاقة الشمسية وتحتاج في الوقت نفسه إلى إمدادات كهربائية مستقرة على مدار اليوم.

ويتجاوز أثر هذه الخطوة حدود المنشأة التي تحتضن المشروع، بالنظر إلى إمكانية الاستفادة مستقبلا من تقنيات التخزين في دعم مرونة المنظومة الكهربائية الوطنية. فوجود قدرات تخزينية إضافية يمكن أن يساعد على التعامل مع التغيرات المفاجئة في الإنتاج والاستهلاك، ويمنح الشبكة قدرة أكبر على استيعاب كميات متزايدة من الكهرباء المنتجة من المصادر المتجددة.

ويكتسي هذا الجانب أهمية أكبر مع استمرار المغرب في تطوير مشاريعه المتعلقة بالطاقة الشمسية والريحية، إذ إن ارتفاع القدرة الإنتاجية لهذه المصادر يفرض في المقابل تطوير وسائل أكثر فعالية لإدارة الكهرباء المنتجة منها، خصوصا خلال الفترات التي يتجاوز فيها الإنتاج حجم الطلب.

ويأتي ذلك في سياق الهدف المغربي الرامي إلى رفع حصة الطاقات المتجددة إلى 52 في المائة من القدرة الكهربائية المركبة بحلول سنة 2030، وهو هدف يجعل تخزين الكهرباء جزءا مهما من النقاش المرتبط بمستقبل الطاقة في البلاد.

ويشير مشروع بن جرير بذلك إلى أن المرحلة المقبلة من التحول الطاقي لن تقوم فقط على بناء محطات جديدة لإنتاج الكهرباء من الشمس والرياح، وإنما ستحتاج أيضا إلى تطوير منظومة متكاملة قادرة على تخزين هذه الطاقة وإدارتها وتوزيع استخدامها حسب الحاجة.

وتمنح هذه المعادلة الصناعة المغربية فرصة للاستفادة بصورة أكبر من الكهرباء النظيفة، مع إمكانية تقليل تكاليف الاستهلاك خلال فترات الذروة والحد من آثار التقلبات التي تميز إنتاج بعض مصادر الطاقة المتجددة.

ومع استمرار تطور تقنيات البطاريات وانخفاض كلفة بعض حلول التخزين مقارنة بالسنوات الماضية، يمكن أن تصبح هذه التكنولوجيا عنصرا أكثر حضورا في المشاريع الصناعية والطاقة الكبرى، خصوصا في البلدان التي تمتلك إمكانات مهمة في مجال الطاقة الشمسية والريحية.

ويضع المغرب، من خلال تجربة بن جرير، خطوة عملية أخرى في مسار بناء منظومة طاقية أكثر مرونة، حيث تلتقي الطاقة المتجددة مع تقنيات التخزين لتوفير الكهرباء في الوقت الذي تحتاج إليه المنشآت، بدل الاكتفاء بإنتاجها في اللحظة التي تكون فيها الظروف الطبيعية مواتية لذلك.

وبهذا المعنى، لا يمثل المشروع مجرد إضافة تقنية إلى قطاع الطاقة، بل يعكس تحولا في طريقة التفكير في الكهرباء نفسها، من طاقة تنتج وتستهلك بشكل مباشر إلى طاقة يمكن إنتاجها وتخزينها وتدبير استخدامها وفق حاجات الاقتصاد والصناعة، وهو ما قد يجعل تخزين الكهرباء بالمغرب أحد المكونات الأساسية للمرحلة المقبلة من التحول نحو الطاقة النظيفة.