كوثر بوجوال
ذكرى رحيل الملك الحسن الثاني جمعت، صباح الاثنين 21 شتنبر 2026، عددا من كبار المسؤولين والشخصيات السياسية والحزبية والحكومية والأمنية والعسكرية في ضريح محمد الخامس بالرباط، تخليدا للذكرى الثامنة والعشرين لوفاة الملك الراحل.
وتوافدت الوفود على الضريح للترحم على روح الملك الحسن الثاني، واستحضار أبرز المحطات التي طبعت عهده، وفي مقدمتها استكمال بناء مؤسسات الدولة، وتنظيم المسيرة الخضراء، والدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة، وتعزيز حضور المغرب على المستويات العربية والإسلامية والدولية.
وشهدت المناسبة حضور رئيس الحكومة عزيز أخنوش، إلى جانب عدد من الوزراء والأمناء العامين للأحزاب السياسية ورؤساء المؤسسات الدستورية، فضلا عن مسؤولين بارزين في الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة الملكية والدرك الملكي.
وجرت الزيارة في سياق سياسي خاص يتزامن مع الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية التي تسبق الاقتراع التشريعي المقرر يوم الأربعاء 23 شتنبر، غير أن المناسبة جمعت مختلف الشخصيات في لحظة وطنية طغى عليها استحضار تاريخ الملك الراحل وما قدمه للمغرب.

ذكرى رحيل الملك الحسن الثاني تجمع مؤسسات الدولة
عرف ضريح محمد الخامس حضور مسؤولين يمثلون عددا من المؤسسات الدستورية والقضائية والحقوقية، من بينهم الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، ورئيس النيابة العامة، ورئيسة المجلس الأعلى للحسابات، ورئيسا مجلسي البرلمان، ورئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان.
كما شاركت في المناسبة شخصيات سياسية وحزبية تنتمي إلى توجهات مختلفة، حضرت للترحم على روح الملك الراحل واستذكار المحطات الكبرى التي شهدها المغرب خلال فترة حكمه.
وعكست تركيبة الحاضرين البعد الوطني للمناسبة، إذ اجتمعت شخصيات تمثل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، إلى جانب القيادات الأمنية والعسكرية والحزبية، داخل فضاء يحمل رمزية تاريخية خاصة في الذاكرة المغربية.
اقرأ أيضاً: هبة ملكية لضريح سيدي عبد الجبار بفجيج في ذكرى رحيل الحسن الثاني
ويحتضن ضريح محمد الخامس رفات الملك محمد الخامس والملك الحسن الثاني والأمير مولاي عبد الله، ويشكل أحد أبرز المعالم الوطنية التي ترتبط بتاريخ استقلال المغرب وبناء الدولة الحديثة.
وتحولت الذكرى إلى مناسبة لاستحضار الاستمرارية التي ميزت مسار الدولة المغربية، من معركة التحرر من الاستعمار بقيادة الملك محمد الخامس، إلى مرحلة استكمال البناء المؤسساتي والوحدة الترابية في عهد الملك الحسن الثاني، ثم مواصلة مشاريع التنمية والإصلاح بقيادة الملك محمد السادس.

حضور بارز للقيادات العسكرية والأمنية
تقدم الفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية، الوفد العسكري الذي حل بضريح محمد الخامس للترحم على روح الملك الحسن الثاني.
كما تقدم الفريق أول محمد حرمو، قائد الدرك الملكي، تشكيلة من مسؤولي وأطر الجهاز الذين شاركوا في إحياء هذه الذكرى الوطنية.
وحضر المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني عبد اللطيف حموشي في مقدمة وفد المسؤولين الأمنيين المشاركين في المناسبة.
ويبرز هذا الحضور المكانة التي يحتلها الملك الراحل في تاريخ بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية للمملكة، وما عرفه عهده من تحولات ارتبطت بتثبيت سيادة الدولة وحماية وحدتها الترابية.
اقرأ أيضاً: هبة ملكية لضريح سيدي عبد الجبار بفجيج في ذكرى رحيل الحسن الثاني
كما تحضر المؤسسة العسكرية بقوة في الذاكرة المرتبطة بمرحلة الملك الحسن الثاني، خصوصا من خلال دور القوات المسلحة الملكية في الدفاع عن الأقاليم الجنوبية ومواجهة التحديات التي رافقت استرجاع الصحراء المغربية.
وتزامن حضور قائد المنطقة الجنوبية مع استحضار واحدة من أبرز محطات عهد الملك الراحل، ممثلة في تنظيم المسيرة الخضراء سنة 1975، التي شكلت منعطفا حاسما في مسار استكمال الوحدة الترابية للمملكة.
المسيرة الخضراء في صدارة استحضار الإرث الوطني
ركزت تصريحات عدد من الشخصيات السياسية على الدور التاريخي للملك الحسن الثاني في تنظيم المسيرة الخضراء والدفاع عن الحقوق المشروعة للمغرب في صحرائه.
واعتبر محمد أوجار، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، أن الملك الراحل يظل واحدا من أبرز ملوك الدولة العلوية، مستحضرا مشاركته إلى جانب والده الملك محمد الخامس في معارك الاستقلال الوطني ومواجهة الاستعمار.
وأشار أوجار إلى أن العبقرية السياسية للملك الحسن الثاني تجسدت بصورة خاصة في ابتكار المسيرة الخضراء، التي مكنت المغرب من استرجاع أقاليمه الجنوبية ضمن تحرك سلمي حشد مئات الآلاف من المواطنين.
وأكد أن الملك الراحل نجح في الدفاع عن مشروعية الحقوق الوطنية للمغرب وإقناع المجتمع الدولي بعدالة قضية الوحدة الترابية، وهو ما جعل اسمه مرتبطا في الذاكرة الجماعية للمغاربة بملحمة المسيرة الخضراء.
ولا تزال هذه المحطة تمثل أحد أبرز الأحداث المؤسسة للمغرب المعاصر، بالنظر إلى طبيعتها السلمية وقدرتها على توحيد المغاربة حول هدف وطني مشترك.
كما أن استحضارها خلال ذكرى رحيل الملك الحسن الثاني يعكس استمرار حضور قضية الصحراء المغربية باعتبارها أولوية وطنية تحظى بإجماع مختلف مكونات المجتمع المغربي.
عهد بناء المؤسسات وترسيخ حضور المغرب




لم تقتصر الإشادات على المسيرة الخضراء، بل شملت كذلك دور الملك الحسن الثاني في بناء هياكل الدولة وترسيخ المؤسسات وإطلاق مسارات التنمية.
ووصف محمد أوجار عهده بأنه مرحلة لبناء الدولة وتثبيت المؤسسات، إلى جانب الحركية التي ميزت السياسة الخارجية المغربية على الساحات العربية والإسلامية والدولية.
كما استحضر مساهمة الملك الراحل في الدفاع عن القضية الفلسطينية والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، فضلا عن حضوره داخل القضايا العربية والإفريقية والدولية.
من جهته، أكد نزار بركة، وزير التجهيز والماء والأمين العام لحزب الاستقلال، أن الملك الحسن الثاني كان مبدع المسيرة الخضراء وباني دولة المؤسسات والديمقراطية، مشددا على ما قدمه للمغرب خلال فترة حكمه.
وأشار بركة إلى أن حزب الاستقلال ساند المبادرات التي قادها الملك الراحل خدمة للمصلحة الوطنية، في امتداد للعلاقة التاريخية بين العرش والحركة الوطنية خلال معركة التحرير وبناء المغرب المستقل.
أما المصطفى بنعلي، الأمين العام لحزب جبهة القوى الديمقراطية، فربط تخليد الذكرى باستحضار إسهامات الملك الحسن الثاني في البناء المؤسساتي وتثبيت دعائم الخيار الديمقراطي الذي يواصل الملك محمد السادس رعايته.
مناسبة وطنية تتجاوز التنافس الانتخابي
حملت الزيارة بعدا لافتا بسبب تزامنها مع الحملة الانتخابية، حيث اجتمعت قيادات أحزاب سياسية متنافسة داخل ضريح محمد الخامس قبل يومين من الاقتراع التشريعي.
وشهدت المناسبة تبادل المصافحات بين مسؤولين وقيادات حزبية، في مشهد وضع التجاذبات المرتبطة بالحملة جانبا، وقدم الذكرى بوصفها لحظة وطنية جامعة تتجاوز الخلافات والرهانات الانتخابية المباشرة.
ويكتسب هذا المشهد دلالة خاصة بالنظر إلى حدة التنافس بين الأحزاب على أصوات الناخبين وقيادة الحكومة المقبلة، إذ أظهرت المناسبة أن الاختلاف السياسي لا يلغي الالتقاء حول ثوابت الدولة وذاكرتها الوطنية.
كما جسد الحضور المتنوع استمرارية المؤسسات وقدرتها على الاجتماع حول المحطات التاريخية الكبرى، بعيدا عن التباينات الحزبية التي تميز الحياة الديمقراطية.
ولا تنفصل هذه الدلالة عن الإرث المؤسساتي للملك الحسن الثاني، الذي شهد عهده تحولات سياسية ودستورية متعاقبة أسهمت في تشكيل المشهد الحزبي والمؤسساتي للمملكة.
الملك محمد السادس يترأس حفلا دينيا بالمناسبة
يتواصل تخليد الذكرى الثامنة والعشرين لرحيل الملك الحسن الثاني بترؤس أمير المؤمنين الملك محمد السادس حفلا دينيا في ضريح محمد الخامس بالرباط.
ويقام الحفل يوم الاثنين 9 ربيع الثاني 1448 هجرية، الموافق لـ21 شتنبر 2026، بحضور عدد من أفراد الأسرة الملكية وكبار المسؤولين والشخصيات المدنية والعسكرية.
ويشكل الحفل الديني محطة سنوية للترحم على روح الملك الراحل وقراءة آيات من القرآن الكريم، في أجواء تستحضر مكانته في تاريخ المملكة وما ارتبط بعهده من أحداث وتحولات كبرى.
وتعيد ذكرى رحيل الملك الحسن الثاني إلى الواجهة مسيرة ملك قاد المغرب خلال مرحلة دقيقة امتدت من سنوات ما بعد الاستقلال إلى نهاية القرن العشرين، وواجه خلالها تحديات بناء الدولة واستكمال الوحدة الترابية وترسيخ حضور المملكة خارجيا.
وبين المسيرة الخضراء وبناء المؤسسات والدفاع عن القضايا الوطنية والعربية، ظلت بصمة الملك الراحل حاضرة في تصريحات الشخصيات التي اجتمعت داخل ضريح محمد الخامس، مؤكدة أن ذكراه تمثل جزءا أساسيا من الذاكرة السياسية والوطنية للمغرب.





